حميد الحريزي… قافلة السرد النجفي وصوت الوعي الإنساني

محمد علي محيي الدين

في مدينة النجف، حيث يمتزج التاريخ بالروح، ويغدو الحرف صلاة في محراب المعرفة، وُلد الأديب والكاتب والصحفي حميد لفتة دخيل الحريزي عام 1953، ليكون واحدًا من أبناء هذه المدينة الذين حملوا رسالتها الثقافية والفكرية إلى أرجاء العراق والعالم العربي. من مدارسها الأولى نهل علومه، ومن فضاءاتها الفكرية استقى وعيه، فشبّ محمّلاً بروح التمرد والإبداع، متطلعًا إلى الكلمة بوصفها فعلاً من أفعال الحرية.

انخرط الحريزي منذ بداياته في النشاط الأدبي والثقافي، حتى غدا اسمًا بارزًا في المشهد العراقي، وعضوًا فاعلاً في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، واتحاد الصحفيين العراقيين، ونقابة الصحفيين. تولّى رئاسة تحرير مجلة الحرية، وشارك في تحرير مجلة رؤيا، ليؤكد أن الثقافة ليست مهنة بل التزامٌ تجاه الوعي الجمعي.
امتلك الحريزي تجربة سردية خصبة، تنوّعت بين القصة القصيرة والرواية والشعر والنقد، فجاءت أعماله متشظية بين الحلم والواقع، محمّلة برائحة الأرض وأصوات الناس. كانت مجموعته القصصية الأولى (أرض الزعفران) باكورة إبداعه، وقد صدرت ضمن إصدارات مجلة بانيقيا التابعة لاتحاد الأدباء في النجف، لتعلن ولادة قاصّ يعرف كيف يصوغ الحياة بلغة الناس العاديين، ويمنحها بعدًا إنسانيًا عميقًا.
ثم جاءت ثلاثيته الروائية الشهيرة (محطات) بأجزائها الثلاثة: العربانة، كفاح، والبياض الدامي (دار الفؤاد، القاهرة، 2018)، لتشكل علامة فارقة في الرواية العراقية الحديثة، إذ تناول فيها مسيرة الإنسان العراقي بين الألم والأمل، ورسم ملامح مجتمعٍ ينهض من رماده محتفظًا بكرامته رغم الجراح. وفي روايتيه (القداحة الحمراء) و(أرض الزعفران) – التي نالت المرتبة الثانية على مستوى الوطن العربي – بلغ أسلوبه ذروة النضج الفني، فجمع بين السرد الواقعي والرمز، وبين اللغة الشعرية والتصوير الدرامي.
وفي مجموعته (المصابيح العمياء)، ومجموعاته الشعرية (مشاهدات مجنون في عصر العولمة) و(لا يعني) و(ن سجاح)، يتجلّى الحريزي شاعراً يحتجّ على الخراب بلغة ساخرة مضمّخة بالفلسفة، تجمع بين الحسّ الإنساني والوعي النقدي. أما في كتابه (الدين والسياسة) الصادر عن دار نور في ألمانيا، فقد قدّم قراءة فكرية جريئة للعلاقة المعقدة بين المقدّس والسلطة، بلغة تحليلية تستند إلى الواقع العراقي والعربي.
ولأن الكلمة عنده التزام قبل أن تكون موهبة، فقد حمل همّ الثقافة العراقية في المنتديات والمهرجانات، وشارك بمحاضرات وندوات عدّة داخل العراق وخارجه، مؤكدًا أن الأديب الحق هو من يجعل من الكتابة مشروع حياة، لا وسيلة شهرة. كما أصدر كتبًا نقدية مهمة مثل (تراجيديا مدينة)، و(ما لم تمسسه النار)، و(قراءة في رواية السقشخي لعلي لفتة سعيد)، و(صفحات من تاريخ الرواية العراقية)، وهو عمل ببليوغرافي نقدي يتتبع الرواية النجفية خلال تسعين عامًا (1930–2020).
نال الحريزي وسام ووشاح التميز من الدرجة الأولى في القصة القصيرة على مستوى الوطن العربي عام 2010 من مجلس الصحافة العالمي، كما كُرّم من منظمات عربية، منها منظمة أحلام الطفولة في غزة والمجلس العالمي لحقوق الطفل، وفازت مجموعته القصصية القصيرة جدًا في مسابقة نازك الملائكة.
كتب عنه عشرات النقاد والكتّاب، وتناولوا أعماله في دراسات نقدية رصينة. فقد رأى فيه بعضهم “كاتبًا يمزج بين سحر الواقعية ودهشة الرمز”، وقال أحد النقاد:
“يكتب حميد الحريزي من قلب الشارع العراقي، لكنه يفكر بعقل الفيلسوف. إن لغته مشبعة برائحة التراب، وإيقاعها يأتي من أنين الناس وفرحهم معًا.”
وللحريزي عشرات الدراسات المنشورة في الصحف والمجلات والمواقع العراقية والعربية، منها ما سيصدر ضمن مشروعه الكبير (كشكول الحريزي) وكتابه المرتقب (قول في الثقافة والأدب) بجزأيه في السرد والشعر، ليضيف بذلك لبنة جديدة إلى المكتبة الأدبية العراقية.
في مشواره الطويل، ظلّ حميد الحريزي صوتًا صادقًا للإنسان العراقي، ومرآةً لوجعه الجمعي، وكاتبًا يرى في الكلمة خلاصًا، وفي الأدب وسيلةً للارتقاء بالوعي. يكتب لأنه لا يحتمل الصمت، ويصرّ على أن تكون الرواية فعل مقاومةٍ ضد الزيف، وأن يكون الكاتب شاهدًا لا يتورّط في الخديعة.
رأي النقاد
يرى الناقد علي لفتة سعيد أن حميد الحريزي “أحد أبرز كتّاب السرد الواقعي الجديد في العراق، استطاع أن يجعل من المحلية منطلقًا نحو الكوني، وأن يقدّم الشخصية العراقية المعاصرة في صراعها بين البقاء والضياع.”
أما الناقد فاضل ثامر فيقول عنه: “يمتلك الحريزي قدرة استثنائية على تحويل التفاصيل اليومية إلى مواقف وجودية، تجمع بين الفلسفة والسياسة والوجدان، في لغة تتراوح بين الشاعرية والاحتجاج.”
وكتب أحد النقاد العرب في مجلة الرافد الإماراتية: “يمثل الحريزي نموذج الكاتب الملتزم، الذي لا يرى الأدب زينة لغوية بل مسؤولية فكرية. إن أعماله الروائية والقصصية وثيقة إنسانية عن العراق الحديث، بآلامه وآماله.”
وهكذا، يظل حميد الحريزي قافلةً أدبية تمضي بثباتٍ في دروب الإبداع، شاهداً على أن الكلمة العراقية قادرة – مهما اشتدّ العصف – على أن تبقى منارةً تُضيء الطريق، وتعيد للإنسان صوته وكرامته.

قد يعجبك ايضا