حاوره: الدكتور محمد سعيد الطريحي رئيس أكاديمية الكوفة في هولندا
الدكتور إسماعيل قمندار، مفكّر وباحث أكاديمي عراقي مقيم في فرنسا، ينحدر في محتده النبيل من الأُمة الكردية بفرعها الفيلي، متخصص في علم اللغات واللهجات الكردية، وهو صاحب “كتاب اللهجات الكردية الجنوبية” أحد أهم الدراسات الأكاديمية المعاصرة في مجال اللغة واللهجات الكردية، وللأهمية البالغة لمضامين هذا الكتاب والمرجع الشامل عن اللهجات الكردية الجنوبية والفيلية، سواءً بطبعته الفرنسية الفاخرة الصادرة في 2001م عن دار النشر البلجيكية، المتخصصة الكبرى بالدراسات اللغوية (بيترس) وبصفحاتها التي تزيد عن 940 صفحة، أو بنسخته العربية والمزيدة بفصولٍ إضافية، الصادرة في بغداد، ارتأيتُ ضرورة إجراء هذا الحوار مع الصديق المؤلف بعد قراءتي لهذا العمل الذي يسدُّ فراغاً كبيراً في حلقة أساسية من مجال العلوم والمعارف الكردية، ويُعين على فهم تجانس هذا القسم الحيوي من الشعب الكردي عبر دراسته لهذه المجموعة اللهجية لغوياً، وأحياناً انثروبولوجياً..

قام الدكتور إسماعيل قمندار في كتابه المذكور بدراسة لغوية أو ألسنية منتظمة للقواعد اللغوية واللهجية لعشرات المدن والمناطق الكردية الجنوبية وفقاً لأساليب علمية وبصورة معمّقة. وتكمن أهمية هذا البحث الواسع في كشفه المفصّل للأنظمة الصوتية والصرفية والنحوية لمجموعة لهجية كبيرة غير مدروسة مقارنة ببقية اللهجات الكردية الأخرى كالكرمانجية والسورانية وحتى الكورانية ــ الزازائية.
ويتضمن الكتاب أيضاً مقدمة طويلة يستعرض فيها الكاتب تفاصيل لغوية عن كافة الأماكن المدروسة مع خارطة لغوية أولى لها، إلى جانب فصل مهم عن “أخطاء المستشرقين والمشرقيين” حول اللهجات الكردية الجنوبية وكذلك عن انتماء وهوية أقسام من هذه المجاميع السكانية.
في عام 2014م أنهى المؤلف ترجمة كتابه إلى اللغة العربية مع إضافات مهمة لتصدر النسخة العربية منه في نفس السنة في بغداد، وقد صدَّر المؤلف كتابه بالتمهيد الموسَّع الذي مثَّل بصفحاته المئة وعشرين كتاباً بحد ذاته، إذ أنه يضم مواضيع مهمة وحساسة تتعلق بهوية بعض الشرائح الكردية التي تعرَّضت إلى تنظيرات وأخطاء حول لهجاتها أو حتى أحياناً حول انتمائها العرقي، فضلاً عن توضيحات تاريخية ولهجية جوهرية حول الكرد اللك، وعن اللر، وعن المجموعة اللهجية الكورانية ـ الزازائية إلى جانب شروح مهمة وضرورية حول الكرد الفيليين ((راجع بحث الدكتور قمندار عن التسمية العلمية للفظة (الفيلي أوالفيلية)، والمنشور في المجلد 175 من موسوعة الموسم ص 93 وما بعدها)). كما ويحتوي هذا التمهيد الموجَّه لكل صنوف القراء على موضوعين مهمين ما زالا يشغلان قطاعات واسعة من الكرد، وهما مسألة اختيار الأبجدية المناسبة لكتابة الكردية، وموضوع توحيد اللغة الكتابية الكردية.
وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب يتضمن في فصله الأخير قصة “ذات القدم الذهبية” التي تقابل قصة سندريلا. وقد قام المؤلف بتدوين النسخة الكردية الجنوبية المقابلة لهذه القصة بكلام خمس عشرة منطقة لهجية جنوبية، وللأهمية الاستثنائية التي يمثلها هذا الأثر الفريد في مجال دراسة اللغة واللهجات الكردية، أجرينا مع المؤلف هذا الحوار الخاص بمناسبة تحريرنا ونشرنا لموسوعة (مواسم كردستان) والصادرة بأحد عشر مجلداً ضخماً عن أكاديمية الكوفة في هولندا:
س 1: أود ابتداءً أن تقدم تعريفاً أولياً للكتاب قبل الدخول في بعض حيثيَّاته؟
ج 1: يعتبر المتخصصون هذا العمل أحد أهم الأعمال في ميدان الدراسات الكردية اللغوية، وهو يتعلق تحديداً بدراسة اللهجات الكردية الجنوبية، إذ توجد دراسات أخرى عن بقية اللهجات الكردية، وبشكل أساسي الكرمانجية والسورانية، لكن الأمر مختلف بالنسبة للهجات الكردية الجنوبية التي لم تُدرس من قبل. وتحتل هذه اللهجات منطقة جغرافية ــ لغوية كبيرة جداً يصل طولها حوالي 500 كلم يقع قسمها الأكبر في إيران بين كامياران شمالاً إلى مدينة آبدانان شمال مدينة دزفول، فضلاً عن أكثرية محافظة بيجار الشمالية الواقعة في القسم الأوسط من كردستان إيران. ويمكن القول إن الجانب العراقي لهذه المناطق يبدأ من شمال مدينة خانقين وأطرافها باتجاه مندلي ثم مناطق زرباطية، ويستمر هذا الشريط الحدودي باتجاه شيخ سعد وعلي الغربي وعلي الشرقي حيث توجد مجاميع كبيرة من الكورد الفيلية الذين تمتد مناطقهم إلى العمارة وحتى أطراف البصرة ودائماً على الشريط الحدودي الفاصل بين العراق وإيران. وقد تعرض معظم هذه المناطق العراقية إلى عملية تطهير أو تبديل عرقي من قبل النظام العراقي الصدَّامي عبر ما سُمي بسياسة التعريب، حيث تم تهجير جزء كبير من هؤلاء إلى إيران أو أُرغم جزء كبير من هؤلاء على ترك أراضيهم والهجرة داخل العراق. هذا إلى جانب تعرض مناطق أخرى كردية غير جنوبية إلى هذه السياسة العنصرية مثل سنجار وكركوك. وقد حصل هذا الأمر عملياً منذ وصول حزب البعث العراقي إلى السلطة أي منذ عام 1968. ذات الأكثرية الكردية الفيلية والجنوبية في مندلي وخانقين وزرباطية وعلي الغربي وغيرها والهجرة إلى داخل العراق.
وفي فترات زمنية محددة زادت حدَّة هذه السياسة العنصرية (سياسة التعريب) وتسارع عمل السلطات في نقل وتهجير السكان الكورد من مناطق إقامتهم إلى مناطق نائية داخل العراق أو إبعادهم إلى إيران وإحلال سكان عرب مكانهم. ويمكن القول أنه منذ معاهدة آذار سنة 1970 تسارعت وتيرة عملية التعريب وبشكل هائل في مناطق الموصل وأكثر منها في كركوك حيث أنها منطقة كردية بشكل أساسي مع وجود جزء تركماني مهم وأقلية عربية فيها، لكن النظام في العراق جعل منها إحدى الإشكاليات العويصة مصراً على تعريبها بأي ثمن. وكذلك طبقت سياسة التعريب على خانقين وقراها، مندلي وزرباطية والى علي الغربي وجنوبها حيث تمَّ توطين قرويين عرب في أماكن هؤلاء الضحايا.
إن مسألة التعريب العنصرية التي تعرض لها ما يقارب المليون كردي وتركماني عراقي تشكل إحدى المآسي الكبرى التي طالت الشعب الكردي والشعب التركماني في ظل نظام صدام حسين، وهذه مسألة سياسية وإنسانية عميقة لا يمكن إغفالها ونحن في صدد الحديث عن الكرد الفيليين في العراق وإيران…
س 2: ما هي دوافع هذا البحث اللغوي وما الذي وضعته نصب عينيك لبضعة عقود في تحقيق هذا الانجاز العلمي الهام؟
ج 2: في الحقيقة كانت البداية في منتصف عقد السبعينيات عبارة عن بحث أصيل لنيل شهادة الماجستير ثم الدكتوراه بعد أن حصلت على شهادة البكالوريوس في الأدب الفرنسي من جامعة نانت الفرنسية. وبعد أسابيع من التفكير توجهت إلى موضوع لغوي باعتباري كردياً وأتكلم اللهجة الجنوبية ــ الفيلية، والتي لم تُدرس من قبل من الناحية الأكاديمية.
س 3: ما هي خصوصية هذه اللهجات الجنوبية؟ وهل اللهجة الفيلية جزءٌ منها؟
ج 3: نعم اللهجة الفيلية بفروعها هي جزء كبير من المجموعة اللهجية التي أجريت أبحاثي عليها، وهي لم تكن مدروسة من قبل ولا بأي شكل من الأشكال. من هنا بدأ توجّهي وفضولي في كشف القواعد اللغوية لهذه اللهجات الجنوبية. كنت أستخدمُ هذه اللهجة بصورة شفوية فقط بدون أي معرفة لغوية نظرية أو قواعدية أو بنيانية لها، ذلك بالرغم من تمكني منها كأي أي شخص يتحدث لهجته بصورة تلقائية وصحيحة دون معرفة قواعدها من الناحية النظرية. من هنا باشرت شيئاً فشيئاً بتحليل هذه اللهجة على الورق وكشف النتائج والتأكد منها بالتفصيل وبدقة متناهية من جميع جوانبها مع كافة الصعوبات المرتبطة بمثل هذا العمل وما يترتب عليه أحياناً من اشتباهات عملية تقع أثناء بدايات عقلنة الكلام العفوي. وبعد حصولي على شهادة الماجستير وَسَّعت دائرة هذه الأبحاث فحصلت على دكتوراه الدولة التي استغرقت عشر سنين عام 1988 من جامعة باريس 7، ولم أتوقف منذ ذلك الوقت عن توسيع نطاق أبحاثي التي ضاعفتها عبر إدخالي ومعالجتي اللغوية لأكثر من عشرين مدينة ومنطقة أخرى إضافية على أبحاثي الجامعية السابقة مع فصول وفقرات كثيرة جديدة.
س 4: ما هو عدد المتحدثين بهذه اللهجات الجنوبية؟
ج 4: عددهم كبير ويتراوح بين 3 إلى 4 ملايين نسمة في العراق وإيران ويتمركز القسم الأكبر منهم في إيران لكن هذه أرقام تظل تقريبية.
س 5: لكن هذا العدد لا يستهان به وهم جزء كبير ومهم من الشعب الكردي…
ج 5: بالطبع إنه جزء مهم من الشعب الكردي ويمثل ما بين 10 إلى 15 بالمئة من المجموع الكلي للشعب الكردي. وهذه المنطقة معقدة من الناحية اللهجية، ومتشابكة، ولا يعرفها الآخرون جيداً بما في ذلك عدد من المتخصصين الكرد المنتمين إلى لهجات كردية أخرى، فيما يجهل البعض ولا يدركون حقيقة الأمر بأهمية هذه المجموعة الجنوبية كونها أقلية في الشعب الكردي يجهلون حجمها الحقيقي.
س 6: كيف يمكن توضيح الفوارق اللهجية الموجودة في اللغة الكردية، وما هو حجم هذه الفوارق اللهجية؟
ج 6: بالنسبة للفوارق اللهجية بين المجموعة الشمالية (الكرمانجية) والمجموعة الوسطى (السورانية) فهي غير قليلة، وتصل إلى حدّ صعوبة التفاهم السلس كلما تباعدت المسافات الجغرافية بين المتكلمين، وهكذا الأمر حيال متكلمي مجموعتنا الجنوبية مقابل متكلمي اللهجتين الكرديتين الشمالية والوسطى فالفوارق أكبر بين الكردية الجنوبية واللهجة الكرمانجية، بينما هي أقل سعة مع اللهجة السورانية ويزيد عسر التفاهم السلس بين هذه المجاميع الكردية الكورانية ــ الزازائية أو الهورامية ــ الزازائية. ويمكن مقارنة تلك الفوارق بما هو موجود في اللغة العربية فالاختلافات كبيرة بين اللهجة العراقية والمغربية مثلاً، لكنها أقل وإن كانت مهمة بالطبع، بين اللهجة العراقية واللهجة المصرية.
س 7: هل من شأن هذا الكتاب أن يساعد الكورد المتكلمين بهذه اللهجات الجنوبية وأن يجعل هذه اللهجات قابلة للتعليم والكتابة كأي لغة لها قواعدها ونحوها ومعاييرها، لاسيما وإن هذا الكتاب يمكن اعتباره رائداً ومرجعاً لكل الأبحاث اللغوية اللاحقة؟
ج 7: ينبغي أن أوضح أولاً إن هذا الكتاب ليس كتاباً مدرسياً وليس منهاجاً تعليمياً، فالكتاب المدرسي قائم على تدريس ما يعتبر المرجع والأساس، أما كتابي فهو بحث لغوي دقيق يعالج مختلف الجوانب اللغوية والقواعدية لهذه المجموعة اللهجية دون إطلاق أحكام على ما هو الأصح أو السليم من الكلمات والألفاظ أو الصياغات المختلفة لهذه المجموعة الكردية الجنوبية أو تلك، وهو يحتاج أحياناً إلى مستوى معيَّن من التركيز لاستيعاب بعض فصوله وغير القابل للتبسيط. وقد أوضحت ذلك في المقدمة الطويلة للكتاب فهي جزء مهم وأساسي منه، ركزّت فيها على أخطاء بعض المستشرقين في قسمٍ من أبحاثهم ودراساتهم حول بعض المجموعات السكانية الكردية إذ سعيت لدحض أو مناقشة بعض التعميمات السريعة التي لا تستند إلى تروٍّ في البحث أوقعت أحياناً الباحثين في استنتاجات وجهات نظر خاطئة حاولت تصحيح ما يتعلق خاصة فيما يتعلق بالمناطق التي هي موضوع بحثي الميداني هذا.
س 8: ما هو منشأ هذه الفوارق اللهجية؟ الفوارق اللهجية أمر شائع وعام، وكما تعرف فإن كل لغة، حيَّة يعني أنها في تطور فاللغة التي لا تشهد تطوراً مع الزمن تعتبر لغة ميتة، والآن ماذا يعني التطور في اللغة؟
ج 8: التطور يعني حكماً الانفتاح أو القابلية على استيعاب التحولات ومواكبة التغيرات والمستجدات، فالانفتاح اللغوي والثقافي تاريخياً، وبسياقه الطبيعي يتحقق مع المحيط الجغرافي القريب عبر التبادل التجاري والاجتماعي والديني.. الخ، ولكن هذه الحالة ليست دائمة، فنرى تعرض العديد من الشعوب إلى هزَّات وتحولات لغوية وثقافية متسارعة على أثر الحروب والغزوات، فتارة نشهد تأثر الشعب المنتصر بلغة وثقافة الشعب المنكسر كما هو الحال بعد انتصار الأكديين على سومر وتبنيهم لمئات الكلمات والصياغات اللغوية السومرية بالمقابل نلاحظ، بعد انتشار الإسلام في بقاع شاسعة، اتخاذ الشعوب التي دخلت الإسلام كالإيرانيين والهنود والصينيين والأتراك والألبانيين والبوشناق وغيرهم لمئات ومئات من الكلمات العربية عبر القرآن الكريم والثقافة الإسلامية.. فهذا مثلاً هو حدثٌ جوهريٌ أدخل مفاهيم وكلمات جديدة للغات المحلية. ويمكن ذكر أحداث أخرى كالحروب الحديثة والاستعمار والثورات العلمية والتكنولوجية التي أحدثت هزَّات كبيرة في التطور اللغوي والثقافي.
أعودُ للفوارق اللهجية ضمن الجماعة السكانية الواحدة التي تتعرض إلى معطيات مختلفة بحسب محيطها الجغرافي. ولنأخذ مثلاً مواطناً عراقياً ولنركّز هنا على القسم العربي من العراق، ويسكن هذا المواطن مدينة البصرة، فنلاحظ بكل سهولة أن هذا المواطن معرض لبعض التأثيرات من لهجات البلدان المحيطة كالسعودية والكويت، واللهجات السائدة في خوزستان أو عربستان في إيران، وما يتخللها من تأثيرات فارسية، وذلك بوجود خليج ونقل بحري وموانئ وتجارة، كما يمكننا إبصار بعض الكلمات والمفردات الهندية في اللهجة البصراوية (لهجة مدينة البصرة) التي دخلت إليها عبر التبادلات التجارية. ولا يمكن مقارنة حجم هذه التأثيرات من ناحية المفردات الأجنبية المذكورة والموجودة في لهجة البصرة مع لهجة مدينة أقل انفتاحاً كالرَّمادي مثلاً، وهناك بعض المدن العربية القريبة من المناطق الكردية مثل الكوت حيث توجد مفردات كردية اضافية عديدة داخل كلام سكان هذه المدينة من العرب. وكذلك يمكن الإشارة إلى التأثر المحيطي المتميّز في لهجات بعض البلدان العربية ومدى التأثيرات الخارجية المختلفة على هذه اللهجة أو تلك، فترى اللهجة العراقية مثلاً متأثرة بدرجة أكبر باللغة الفارسية حيث توجد مئات المفردات الفارسية داخل اللهجة العراقية ككل بسبب العامل الجغرافي، بينما تجد أنها أقل في اللهجة السورية مقابل وجود مفردات تركية أكثر نسبياً في اللهجة السورية رغم وجود مفردات تركية كثيرة في اللهجة العراقية أيضاً، وذلك لعوامل جغرافية رغم سيطرة الدولة العثمانية لبضعة قرون على البلدين.. فاللهجات تتنوع حسب الموقع والتوزع الجغرافي لها، وتتأثر بمعطيات مختلفة من شأنها خلق أوضاع لهجية جديدة.
س 9: هل من قبيل المصادفة أن تختلف لهجة الكورد الفيلية عن لهجات الكورد الآخرين السورانية والكرمانجانية، إذ أن الفيليين شيعة بينما الآخرون سنة في غالبيتهم، فهل لذلك التنوُّع المذهبي تأثير على الاختلاف اللهجي؟
ج 9: هذا سؤال معقد، ويدخلنا في حيثيَّات متشعبة، ولكن يمكن القول بإيجاز إن جماعات ترتبط مذهبياً قد تتجه أحياناً مع الزمن إلى تبني أو تطوير لهجة مميزة عن الآخرين، وهكذا نرى مثلاً ابتعاد الاوردية منذ أربعة قرون عن الهندية التي تنتمي تاريخياً هي أيضاً، إلى نفس اللهجة أو المجموعة اللهجية، وذلك عبر تبنيها الواسع للمفردات الفارسية والعربية، فيما اتجهت الهندية إلى إحياء المفردات السنسكريتية التي هي أقرب إلى الفكر الهندوسي وهكذا تباعدت بمرور الوقت تلك اللهجة أو اللغة الهندية لتتطور إلى لغتين هما الأوردية والهندية. وفي بعض الحالات توجَّه البعض لإظهار هويتهم المذهبية عبر اختيار بعض العلامات الفارقة والمتعلقة بمظهر الوجه (إطلاق الشنب واللحية مثلاً) أو ارتداء أزياء مميزة وممارسة طقوس خاصة أو حتى ابتكار عمارة خاصة، ويكون هذا التمايز واضحاً أو كتوماً حسب الظروف لكنه تمايز تدريجي لا يحصل دفعة واحدة وبتعمد أو بقرار فوقي.
لو أخذنا المسيحيين في الشرق نجد استخدامهم لمجموعة واسعة من المفردات العربية باستعمالات خاصة بالديانة المسيحية تختلف أحياناً عن مفردات المسلمين وطرق تأثر استعمال المسلمين لها، فمثلاً كلمة “الرب” يستخدمها المسلمون أقل من كلمة الله بينما يستخدمها المسيحيون أكثر من العرب المسلمين. وهذا نوع من المؤشرات التمييزية يمكن ملاحظاتها أحياناً في سياق الكلام. أما بخصوص لهجات كورد الجنوب فإن التخصص اللهجي تكون على مدى زمني طويل ولم يكن دائماً بمعزل عن الانتماء المذهبي لهم لكنه لم يكن عاملاً منفرداً في هذا التميّز.
س 10: قد لا تكون تعمقت كثيراً في جذور هذا التميّز اللهجي ــ المذهبي…
ج 10: بالعكس، لقد تأملت كثيراً في هذا الموضوع لكن المجال هنا لا يسمح بالغوص كثيراً في الأعماق. إذ يتعين علي أن اشرح خلفيات متشابكة وحسَّاسة جداً تحتاج لوحدها إلى مقابلة خاصة تخرجنا عن مواضيع كتابي. وأكتفي هنا بما ذكرت بهذا الصدد.
س 11: لنعُد لموضوعنا الرئيسي ماهي المرحلة القادمة لهذا البحث أي ماذا سيترتب على نشر هذا البحث القيم والشاق؟ فأنت قمت ببحث معمق للموضوع ليس فقط من الناحية المورفولوجية الصرفية بل من كافة النواحي القواعدية الأخرى؟
ج 11: صحيح وبصرف النظر عن المقدمة الواسعة التي تتصدر الكتاب، فقد كان بحثاً ميدانياً مضنياً بالنسبة لحجم المناطق التي درستها وتتراوح بين 35 إلى 40 مدينة ومنطقة عالجتها لغوياً في نفس الوقت وبشكل مفصل: مثلاً قمت بتحليل النظام الصوتي والفونولوجي بالمصطلح العلمي، وخصصت له فصل طويل عالجتُ فيه خصوصيات النظام الصوتي لكافة تلك المناطق المدروسة إلى جانب معالجتي للكثير من الظاهرات الصوتية. وبعد ذلك قمت أيضاً بدراسة النظام المورفولوجي أي النظام الصرفي لكل الأماكن التي تناولتها وكذلك مختلف الجوانب والأقسام القواعدية المرتبطة بالنظام الصرفي. ثم درست النظام النحوي السانتاكسيك، وهو قسم كبير أيضاً ومهم في هذه الدراسة اللغوية.
س 12: هل أنت أول من درس الجوانب النحوية والقواعدية في اللهجات الكردية الجنوبية؟
ج 12: بالمعنى الأكاديمي والشامل نعم لم يدرسها أحد قبلي بالنسبة للفيلية وتفرعاتها. وهناك بعض المحالات أو المقاربات القديمة لجزءٍ من المناطق الجنوبية الأخرى من قبل بعض المستشرقين أشرت لهم في مقدمة الكتاب، وهذه المقاربات المقتضبة والركيكة غالباً، لا يمكن اعتمادها علمياً، وهناك أحياناً بعض الكتابات لأفراد لا علاقة لهم بعلم اللغات يبادرون بإصدار بعض الصفحات هنا وهناك حول بعض العناصر القواعدية لكلام منطقةٍ صغيرة. أما عن هذه الدراسة فهي معالجة لغوية وعلمية لمناطق واسعة فضلاً عن كونها دراسة ميدانية صرفة.
س 13: قمتم بزيارات ميدانية عديدة لأكثر المناطق المدروسة طيلة هذه العقود للتوصل إلى النتائج البحثية الحالية.. ارجو أن تعطينا فكرة عن تلك الزيارات..
ج 13: نعم، وهذا صحيح، إذ أن أبحاثي ترتكز أساساً على العمل الميداني والمقابلات المباشرة مع سكان الأماكن التي درستها، فبالنسبة للقسم العراقي من دراستي والممتد جغرافياً على الشريط الحدودي من خانقين إلى علي الغربي جنوباً مروراً بمندلي وزرباطية، ولعدم استطاعتي زيارة العراق أثناء النظام البائد فقد قابلت العشرات من الكرد العراقيين من هذه المناطق الذين يعيشون في بلدان أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا وهولندا وألمانيا والسويد أو في إيران، من المنفيين أو المهجرين أو المهاجرين. أما عن القسم الأكبر من المناطق التي درستها والواقعة في إيران فقد ذهبت إلى هناك ثماني مرات في زيارات ميدانية بحثية لأسابيع عديدة حيث درست مناطق الكورد الفيليين، والكورد الجنوبيين عموماً، ولم أستند في ذلك إلى أية مراجع لغوية مكتوبة سابقة لأنها شحيحة أو غير موجودة أصلاً. ويشكل الجزء الإيراني القسم الأكبر من العينات المدروسة، وباستثناء دراستي لكلام أهالي مدينة بيجار الواقعة في قلب كردستان إيران شمالاً، فانَّ مناطق أبحاثي تبدأ من الشمال بمنطقة قروة، ثم باتجاه الجنوب نحو مدينة قصر شيرين، ثم مدينة كرمنشاه التي يبلغ عدد نفوسها أقل من مليون نسمة بقليل، وهي أكبر المدن الكردية الجنوبية وعاصمة كورد إيران في القرون الماضية، وتمثل جزءاً من المنطقة اللهجية التي درستها. ودرستُ كذلك المناطق الممتدة إلى الجنوب من كرمنشاه وقصر شيرين وصولاً إلى شاه آباد (إسلام آباد) ثم إيلام وإلى دزفول تقريباً، كل هذه المناطق قمتُ بمسح لغوي مفصّل لها، ويبلغ طولها أكثر من 500 كلم في الجبال، وهي مناطق وعرة جداً تخلق التنوع اللهجي.
وكما تعرف فإن المناطق الجبلية تتباين في لهجاتها، فكل وادٍ، يتحدث أحياناً بصورة تختلف إلى حدٍ ما عن الوادي الآخر في إطار نفس اللغة. لذلك ترى التعدد اللهجي في المناطق الجبلية أكثر منه في المناطق السهلية، لأن السهول غالباً ما تكون جامعة لهجياً على عكس الجبال العازلة لهجياً، شأنها شأن الأنهار أحياناً أو البحار، فهي عوازل طبيعية تخلق بدورها فوارق لهجية أو لغوية.
س 14: على ضوء ما تفضلتم به، هل هناك لغة كردية تمثل الأصل ومكتوبة، تفرع منها لهجات يمكن اعتبارها بمثابة اللغة الأم على غرار العربية بقواعدها وأصولها، وتفرعها تدريجياً إلى لهجات عديدة مشرقية ومغاربية. وهل ان كل اللهجات الكردية قابلة للكتابة؟ فالمعروف إن اللهجات تستخدم للمخاطبة والتواصل لكنها لا تكتب إلاّ تجاوزاً (في الشعر الشعبي مثلاً)؟
ج 14: كل لهجة قابلة للكتابة، لكن تطور اللهجات يختلف من مكان إلى آخر، فاللغة العربية توحدت وقُنِّنت قواعدياً وفرضت نفسها عبر القرآن الذي يمثل ضمير اللغة العربية وقلبها، فهو الأساس والمرجع لقواعد وعلوم اللغة. وكذلك المحور المركزي لنشوء الحضارة الإسلامية. ويمثل توحد اللغة العربية وتقنين قواعدها وانتشار كتابتها جانباً مضيئاً منها. ولم تتوقف هذه اللغة عن التطور وهي إحدى اللغات الحية إلى يومنا هذا، فاللغة الفرنسية الحديثة قُنِّنَت في القرن السادس عشر وتطورت انطلاقاً من لهجة باريس وأطرافها، وهكذا بالنسبة للغة الإيطالية التي نشأت اعتباراً من لهجة منطقة فلورنسا التي جسَّدها في بدايات القرن الرابع عشر الشاعر الكبير دانت عبر أثره الشهير (الكوميديا الإلهية).
أما بالنسبة للغة الكردية فهي لغة قائمة بذاتها لها قواعدها ولهجاتها وهي واحدة من عائلة اللغات الإيرانية الكبيرة. ويختلف مسار تطورها عن العربية، فلكل لغة تطور تاريخي خاص بها، فالعربية قبل الإسلام كانت أيضاً عبارة عن لهجات متنوعة وتوحدت بلغة القرآن وعبره حيث تشكلت لغة مرجعية لكل العرب، أما اللغة الكردية المقسمة إلى لهجات فلم تحظَ بالظرف السياسي لظهور لغة موحدة مرجعية على غرار العربية بالمقابل فقد برز في التاريخ أدباء وكتاب كورد كتبوا باللغة الكردية بهذه اللهجة الرئيسية أو تلك منذ العصور الوسطى أو منذ القرن الخامس عشر بحسب رؤية الكاتب وذلك باللهجة الكرمانجية أو باللهجة الكورانية. ثم استمر النتاج الأدبي ليشمل كذلك اللهجة السورانية، فيما ظلت الكورانية تستعمل كلغة شعرية عند أغلب الشعراء الكورد في إيران والقسم الشرقي من كردستان العراق حتى القرن التاسع عشر. هذا إلى جانب وجود كُتَّاب ومؤرخين وشعراء وعلماء كورد ساهموا بالحضارة الإسلامية وكتبوا باللغات العربية والفارسية والتركية مثل ابن خلكان صاحب وفيات الأعيان، وإبن الأثير الذي يعتبر تاريخه (الكامل) من المراجع الإسلامية الأساسية للحروب الصليبية، وأبو الفداء، وكذلك أمير الشعراء في مصر أحمد شوقي وعباس محمود العقاد، وفي العراق شعراء مشاهير مثل الزهاوي وكذلك عالم اللغة العربية مصطفى جواد، وهو أيضاً كردي من كورد الجنوب الفيليين، وياشار كمال، وهو كردي كذلك، من أكبر وأشهر الروائيين في تركيا فيما كان يكتب باللغة التركية، والأمثلة كثيرة.
س 15: لكن ما ذكرته من أسماء لم يكتب منهم باللغة الكردية إلاّ نادراً…
ج 15: هناك شعراء كورد مهمُّون كتبوا باللغة الكردية مثل علي حريري وملاي جزيري، وعلي ترموكي، وأحمدي خاني، ويضيف البعض بابا طاهر عريان. وهناك شعراء في العصر الحديث من القرن التاسع عشر والقرن العشرين كالشاعر الكبير نالي الذي كان يكتب باللهجة السورانية، وكذلك الشاعر حاجي قادر كويي، والشيخ رضا الطالباني الذي كانت قصائده بالعربية والكردية والفارسية والتركية، كما ظهر في القرن العشرين في كردستان العراق كبار الكتاب والباحثين والشعراء ممن كتبوا باللغة الكردية وخاصة باللهجة السورانية التي هي الأكثر نشاطاً في كردستان العراق.
س 16: وهي إذن اللهجة التي تكتب بها الصحف الكردية الصادرة في كردستان العراق…
ج 16: نعم إن اللهجة المهيمنة ثقافياً وإدارياً في كردستان العراق هي الكردية الوسطى أي السورانية، وفي تركيا هناك كتابات باللهجة الكرمانجية، وحتى أحياناً بالزازائية بالرغم من الصعوبات السياسية هناك. وفي إيران والعراق يوجد شعراء يكتبون أو كتبوا باللهجة الكردية الجنوبية مثل شامي كرماشاني، وروشني، وملاّ نامدار المندلاوي، وخان منصور و شاكه، وملاّ نموشاد في الطرف الإيراني، وفي الطرف العراقي مثل فرهاد زنكنه، وإبراهيم جهان بخش وغيرهم الكثير في العقود الثلاثة الأخيرة…
س 17: قلتَ في معرض تقديمك للكتاب أنه يعالج بعض المشاكل الأساسية في مجال اللهجات الكردية، فما هي هذه المشاكل؟ وما هو نوع التفكير والتأمل الذي قمت به بشأن تلك المشاكل أو بالأحرى الإشكاليات؟
ج 17: الإشكاليات التي أقصدها تتعلق بتعريف هذه المجموعة اللهجية الكردية المجهولة أكاديمياً، وإبراز موقعها المهم في خارطة اللهجات الكردية، فضلاً عن ضرورة توضيح أكثر تكاملاً للهجات المكونة للغة الكردية فيما عدا اللهجتين الكبيرتين السورانية والكرمانجية، علماً بأنَّ الإشكال كان في معرفة اللهجات الجنوبية التي تضم مجموعة كبيرة من المتكلمين بها والتي ظلَّت مجهولة نسبياً لكثير من الأخصائيين وغير الأخصائيين مما أدَّى إلى إغفال أهميتها الحقيقية لحد الآن، حتى من قبل الكورد أنفسهم، فما بالك بالمستشرقين الذين أخطأوا كثيراً في التعامل معها، وشاعت الأخطاء بصددها وكثرت بخصوصها التنظيرات التقريبية الخاطئة والمشوَّشة أحياناً. وقد حاولت في أبحاثي أن أصحح هذه الأخطاء، وأبيّن ما هي اللهجات الجنوبية بعد دراستي لها ميدانياً. وما كان بالإمكان تبديد الأخطاء بدون عمل من هذا النوع، وقد ذكرت كل ذلك في المقدمة الطويلة التي يمكن اعتبار قسم منها بمثابة تمهيد علمي ونظري أو تنظيري للبحث الميداني التطبيقي، وهي مركزة جداً وأخذت منّي سنوات طويلة.
س 18: هل هي بمثابة العمود الفقري للكتاب؟
ج 18: هي بالأحرى جزء مهم من الكتاب والكتاب رغم ضخامته ليس فيه أيّ حشو، فالمقدمة أساسية لفهم المشاكل اللهجية التي عالجتها بعد تشخيصها، وهناك جداول عديدة وإحصائيات وشرح تفصيلي لكل الأبواب الرئيسية في القواعد اللغوية مع خريطة لهجية اقتضى إعدادها مني مدة طويلة، وقد وضعتها في بداية الكتاب، وتشمل المنطقة اللهجية الكردية الجنوبية كلها، علماً بأن تنفيذ هذا العمل في مناطق على طول 500 كلم مربع أكثرها جبلية، وفي غاية الصعوبة.
س 19: المقدمة يمكن أن تكون وحدها كتاباً مستقلاً بعنوان آراء ونقاشات حول اللهجات الكردية…
ج 19: نعم، كان ذلك ممكناً وبعنوان أشمل وأوسع من قبيل آراء وإضاءات حول اللهجات الكردية وقضايا الانتماء والهوية، لكني فضّلت أن تكون المقدمة ضمن الكتاب، فبدونها لا يمكن استيعاب بعض الجوانب والأهداف من مشروع الكتاب، فهي له بمثابة تمهيد فكري وتنويري لموضوعات جوهرية مطروحة في فضاء الأفكار والنظريات الدائرة حول هوية وانتماء أجزاء مهمة من الشعب الكردي وبعض توجهاتها واختياراتها الثقافية.
س 20: في الختام، كيف يمكن أن تعرض الهدف الثقافي العام لعملك الأكاديمي هذا؟
ج 20: أرجو أن تكون هذه المقابلة مفيدة للقارئ من الناحية الثقافية العامة، وتحثه على البحث عما يريد معرفته. وباعتباري أحد الشرقيين الذين تهمهم الثقافة الشرقية وتقدم بلداننا وشعوبنا من الناحية الثقافية والفكرية، حاولت من خلال دراستي هذه أن أخدم شعبي بعمل علمي ملتزم استغرق أكثر من أربعة عقود من الدراسة والبحث الدؤوب والمستمر لحد الآن. لأنني أنتسب أيضاً إلى منطقة هي أكبر من حدود الشعب الكردي، يهمني كذلك أن تترسخ العلاقات الثقافية بالعمق بين مختلف شعوب الشرق الأوسط من عرب والكورد وإيرانيين وأتراك وأرمن وغيرهم، وأن يتعرفوا على ثقافات وفنون وآداب بعضهم البعض متجاوزين بعض الانقطاعات التي حدثت في فترات زمنية معينة بين هذه الثقافات لاسيما منذ القرن الماضي. يلاحظ في العصر الحديث حصول توجه آحادي للثقافة الغربية، غالباً على حساب ثقافتنا المحلية. فبالرغم من مساهمة الغرب في الثقافة والعلوم والآداب الكونية مساهمة مهمة، وبغض النظر عن الأهداف والتوجهات السياسية له، لكن ذلك لا يعني بأن المثقف الشرقي يهمل معرفته بالجوانب المضيئة في ثقافاته الأصلية. فأنا كشرقي وككردي، يهمني معرفة ثقافات الشعوب القريبة منَّا تاريخياً، وأن أطلع على الثقافة التركية والإيرانية والعربية، والهندية والأوزبكية والأفريقية وأن أتعرف على مجمل ثقافات الشعوب الإسلامية التي نحن جزء منها، وهذا أساس للتفتح والتواصل الحضاريين. علماً أنَّ التعرّف على الثقافة الغربية لا يفترض إهمال الثقافات المجاورة لنا فالثقافة الإنسانية الحقيقية هي إجمالية أكثر منها انتقائية.
س 21: أي لا نترك مثلاً المجال للغربيين وحدهم بدراستنا ونتخلى لهم عن هذه المهام، ولا نقوم نحن بدراسة تاريخنا وتراثنا وحضارتنا…
ج 21: نحن قادرون على دراسة حضارتنا، وحتى وحضارتهم أيضاً، إذا ما تحلينا بالمعرفة والثقافة الواسعة وبأساليب الفكر الرصين. ولا ننكر أن الغربيين قاموا بدراسات علمية مهمة ودقيقة جداً لحضارتنا. وعلينا أن نبحث دون كلل في كنوز حضارتنا وحضارة القريبين منّا في القارة الأفريقية والآسيوية إلى جانب معرفتنا المتواصلة وتعمقنا في الحضارة الغربية. ومرة أخرى لا يجب أن يكون ذلك على حساب معرفتنا بحضارتنا التي تشكل خصوصيتنا وهويتنا.
س 22: هناك حروف عربية وحروف لاتينية في كتابة اللغة الكردية فهل لك أن توضح لنا ذلك؟
ج 22: كتابة اللغة الكردية في مناطق كردستان العراق وإيران تتم بالحروف العربية المعدّلة، وقد حصل إجراء التعديل على الأحرف العربية المستخدمة في الكردية منذ سنة 1929 وأضيفت إليها أساليب رموز أو حروف خاصة باللغة الكردية ككتابة الحركات أو الصوائت القصيرة. وفي إيران تُكتب اللغة الكردية بشكل عام أيضاً بالأحرف العربية المعدلة ولكن في تركيا تكتب اللغة الكردية الكرمانجية بالحروف اللاتينية، لأن غالبية الكورد الكرمانجيين، وكذلك الكورد الزازا الذين يمارسون لهجة الزازا الخاصة بهم، موجودون ضمن الدولة التركية ويتعاملون يومياً باللغة التركية التي تكتب بالحروف اللاتينية بعد قرار أتاتورك الشهير سنة 1928بتبني لتننة الكتابة التركية. وبعد فقد الكورد لممارسة الكتابة بالحروف العربية اعتادوا تدريجياً على الحروف اللاتينية، وهناك القسم الكردي الموجود في الاتحاد السوفيتي سابقاً، فقد تبنى منذ ما يقارب التسعين سنة كتابة الكردية بالحروف السيريلية ولكن خياره الكتابي تحول منذ بداية التسعينيات نحو الأبجدية اللاتينية سيما في أرمينيا وأذربيجان. وأنا أشجع الكورد عموماً على عدم التخلي عن الكتابة بالحروف العربية المعدلة، أو حتى غير المعدلة مع إدخال بعض الرموز الإضافية الضرورية عليها والالتزام الصارم بوضع الحركات.
س 23: لكنك لم تستخدم الحروف العربية في كتابة الكلمات والعبارات والنصوص الكردية في كتابك بنسخته الفرنسية؟
ج 23: لأسباب تقنية بحتة، ولأن الكتاب بطبعته الأصلية مكتوب باللغة الفرنسية، فقد اضطررت إلى كتابة الكردية بحروف لاتينية فقط، فيما ترى استخدامي في الطبعة العربية له، للأحرف العربية أيضاً في تدويني للكردية الجنوبية.
س 24: سيتعمق الوعي بالتأكيد بطبيعة وأهمية اللهجات الكردية الجنوبية التي درستها بعد صدور هذا الكتاب، لا سيما بنسخته العربية..
ج 24: هذا هو المأمول بالطبع، فالكتاب سيفيد الباحثين والمثقفين، وكل الذين سيكتبون مستقبلاً عن اللغة الكردية، ولابد لأي باحث في اللغة الكردية، ولكل من يحب الاطلاع على هذه اللهجات وعلى هوية المتكلمين بها، الرجوع إلى هذا الكتاب لفهم عوالم هذه المجموعة اللهجية الواسعة.
س 25: قمتَ في السنوات الأخيرة بترجمة الكتاب إلى العربية مع إضافة بعض الفصول إلى النسخة الفرنسية. ويمثل هذا الكتاب على ما أعرف بنسختيه الفرنسية والعربية توسعة بما يقارب ثلاثة أضعاف المناطق المدروسة في أطروحتك لدكتوراه الدولة المنجزة عام 1988م من جامعة باريس بحيث أصبح كتابك أوسع وأشمل دراسة لغوية لمجموعة لهجية كردية.. وسؤالي هنا هو: لماذا اخترتَ اللغة العربية وأنت توجه كتابك بشكل رئيسي للقراء الكرد؟
ج 25: باعتباري ابن بغداد، وأجيد اللغة العربية التي أكملت بها دراستي من الابتدائية إلى الثانوية، فإن ذلك ساعدني على ترجمة هذا الكتاب الضخم من الفرنسية إلى العربية، علماً بأن الكرد الجنوبيين العراقيين يجيدون جميعهم اللغة العربية، وكذلك الأمر بالنسبة لجزء مهم من الكردستانيين العراقيين، وكذلك أيضاً لقسم صغير من الكرد الجنوبيين في إيران. وفي هذه الحالة ستكون هناك إمكانية أكبر لترجمة الكتاب من العربية إلى الفارسية، أو من العربية إلى الكردية السورانية، بل وحتى إلى الكردية الكرمانجية، حيث أن ترجمته من العربية إلى تلك اللغات أسهل من ترجمته من الفرنسية. ومن جهة أخرى يهمني شخصياً تعريف القارئ العربي وإطلاعه على جوانب من الثقافة الكردية، وإتاحة الفرصة للأساتذة وللطلبة وللباحثين العرب والكرد في علم اللغات واللهجات في الجامعات (كما هو حاصل في العديد من الجامعات الأوروبية والأمريكية في فروعها المتخصصة باللغات الشرقية) للانتفاع من محتوى ومنهج هذا البحث الميداني الواسع، وكذلك لبلوغ فهم أعمق بطبيعة اللهجات الكردية.
س 26: هل ستظهر للكتاب ترجمة بإحدى اللهجات الكردية تحديداً لتعم فائدته لاسيما وإن عدد الكورد في العالم يقدر بحوالي 50 مليون نسمة؟
ج 26: يمكن أن تظهر له ترجمة كردية بعد أن ظهرت الترجمة العربية للكتاب على يد مترجمين كورد يتقنون اللغتين العربية والكردية الوسطى، أو العربية والكردية الشمالية، والكورانية الزازائية. هناك كتاب مكنزي عن قواعد اللغة الكردية الذي درس بعض الفروع في اللهجتين السورانية والكرمانجية، وهو كتاب مهم للباحثين الكورد، لكنه بقي بلغته الأصلية الإنجليزية، ولم يترجم بقسمه اللغوي إلى اللغة الكردية لحد الآن على حد علمي، فترجمة هذا النوع من الكتب في غاية الصعوبة وتحتاج إلى جهد كبير. لهذا أخذت على عاتقي القيام بترجمة كتابي من الفرنسية إلى العربية. وباعتقادي ستظهر له في المستقبل ترجمة كردية وفارسية، وحينئذ سأراجعها بنفسي، خاصة فيما يخص تفهم المترجم لبعض المفاهيم والمصطلحات اللغوية الدقيقة. وربما ستظهر له كذلك ترجمة للإنجليزية التي ستكون مفيدة ومهمة أيضاً وأسهل للكثير من أبناء الجالية الكردية المقيمة في الغرب.
س 27: نقرأ بين الحين والآخر هنا وهناك أفكاراً أو تصريحات حول أصل الكرد الفيليين، فالبعض يربطهم بالعيلاميين، وحتى أحياناً بالسومريين، فيما قرأت بأن المؤرخ العراقي د. خزعل الماجدي، في إحدى محاضراته في السنين الأخيرة، أرجع أصل أو انحدار الكرد الفيليين إلى الأنباط العراقيين ــ ماذا يمكنك القول باختصار حِيال هذه الآراء؟
ج 27: حول محاضرة د. الماجدي، وعلى الرغم من عدم اطلاعي على تفصيلاتها، إلا أن الفكرة الأساسية لها، على ما يبدو، هي انحدار الكرد الفيليين من الأنباط الذين سكنوا لقرون عديدة قبل الفتح الإسلامي بعض الأجزاء من النصف الجنوبي العراقي وخاصة في البطائح.
لا أعرف في هذه الفكرة الغريبة كيف أن هؤلاء الأنباط الساميين كيف هجروا لغتهم السامية الأصلية ليستبدلونها باللغة الكردية، وكذلك كيفية ذوبانهم الجماعي في قومية مختلفة عنهم؟؟ وما هي تلك الظروف القاهرة التي دفعتهم إلى التنصل من أصولهم السامية والانتماء إلى ملة أخرى لم تكن غازية للغة وهوية وثقافة الأقوام المنكسرة، فإنني لا أرى ما يدل على حصول ظروف من هذا القبيل أو غيره كان من شأنه أن يتسبب بهذا التغيير الانتمائي لهؤلاء الأنباط، علماً بأن وجود الكرد في هذه البقاع أقدم من وجود الأنباط..
من جانب آخر، يظهر أن د. الماجدي لم يُبصر الامتداد العشائري الكبير والأوسع في الطرف الإيراني المقابل، وتواصلهم العميق مع أقرانهم الكرد الفيلية ولمسافات جغرافية تمتد لمئات الكيلومترات شمالاً باتجاه كرمنشاه وخانقين وما بعدهما محتفظين بوحدة مجموعتهم اللهجية الكردية الجنوبية التي تلتقي باللهجة الكردية الجنوبية.
وباقتضاب شديد، أتعجَّب من وقوع د. الماجدي في تخريجات من هذا النوع، والتي هي أقرب إلى الثرثرة منها إلى المعرفة الرصينة.
وتذكّرني هذه المقولات الهزيلة بتلك التي ارتكبها العديد من المؤرخين المسلمين في العصور الوسطى حين تعرضهم لأُصول بعض الشعوب المسلمة كالكرد والبربر وغيرهما، وكيف أنهم أسهموا في هذا المجال في تضليل العقول وحجب الضوء عن دروب المعرفة…
أما عن محاولة بعض الأفراد أو الجماعات الصغيرة ربط أصل الكرد الفيليين بالعيلاميين، أو حتى أحياناً بالسومريين فهذا ضربٌ من التشويش المضلِّل، وهو لا يخدم إطلاقاً أهداف التنوير بفرعه الفيلي والجنوبي.. وفي هذه الحالة كما في الحالة السابقة يسعى هؤلاء الأشخاص في مداخلاتهم عن وعيٍ أو دون وعيٍ خلق أو اختلاق تاريخ خاص ومنفصل للكرد الفيلية قد يُبعده تدريجياً عن بقية الشرائح الكردية..
لعل ما لا يدركه هؤلاء الأفراد هو أن العيلاميين التي اضمحلَّت مملكتهم سياسياً على يدِ كورش الاخميني عام 540 ق.م، لم تكن لهم صلة من ناحية اللغة والعِرق بالقبائل الإيرانية (الآرية) التي توسَّع نشاطها في الهضبة الإيرانية منذ بدايات الألف الأُولى قبل الميلاد. وكان الكرد جزءاً من هذه الأقوام الآرية المتنوعة والقادمة من الشمال وذات اللغات الهندو ــ اوربية، فضلاً عن انتمائهم عموماً إلى الجنس الأبيض وبتأثيرات قفقاسية وبحر متوسطية. أما اللغة العيلامية فهي على غرار اللغة السومرية، تنتمي إلى واحدة من عوائل اللغات المسماة باللغات اللصيقة التي تضم اليوم عشرات الأجناس المختلفة واللغات الحديثة، كاللغات الدرافيدية واليابانية، والكورية والتركية ــ المغولية وغيرها.
وتختلف هذه العائلة اللغوية تماماً عن عائلة اللغات الإيرانية
(الهندو ــ أوروبية)، وكذلك عن اللغات السَّامية، ويرجّح العديد من علماء الأنثروبولوجيا أن العيلاميين يمكن إدراجهم أو اعتبارهم من الناحية الإثنية قريبين من الأقوام ذات السحنة الغامقة غير الزنجية كما هو الحال في جنوب الهند وسيلان عند مجاميع التاميل أو بعض المجاميع الهندية غير الآرية التي تتكلم بعائلة اللغات الدرافيدية. أضف كلمة أخيرة حول موضوع العيلاميين الذين كانوا يشغلون إجمالاً الأراضي الواقعة إلى الجنوب من مدينة ايوان والتي كانت تضم مناطق المجموعة المسماة اليوم باللرية البختيارية..
لا شك أن هذه المجموعة اللرية ــ البختيارية هي أكثر مجموعة إيرانية أو كردية ــ إيرانية استوعبت أو استنبطت بقايا المجاميع العيلامية التي أُزيحت من مسرح التاريخ من قبل القبائل الإيرانية التي احتلَّت مشهد الأحداث السياسية في إيران منذ القرون الأولى من الألفية الأُولى قبل الميلاد.
إنَّ افتراض احتواء العيلاميين تدريجياً من قبل المجموعة اللرية ــ البختيارية (غير الكردية الجنوبية) لا يجعل من هذه المجموعة أحفاداً للعيلاميين ذات الأصول غير الهندو ــ أوروبية جنساً ولغة.
* * *