العشق المقدّس للكلمة بين النور والظلام

سهيل الزهاوي

قراءة بنيوية‑ سيميائية في قصيدة “من سيرة القلم البغدادي” عبد الستار نورعلي

المقدّمة

تأتي قصيدة «من سيرة القلم البغدادي» لعبد الستار نورعلي بوصفها نصًا شعريًا مركّبًا يتجاوز حدود الغنائية الذاتية، ليؤسّس خطابًا رمزيًا تتداخل فيه السيرة الفردية مع الهمّ الجمعي، ويتحوّل فيه القلم من أداة كتابة إلى كيان أخلاقي وتاريخي فاعل. فالقصيدة لا تكتفي بتسجيل تجربة شخصية أو استعادة ذاكرة ذاتية، بل تنخرط في مساءلة عميقة لمعنى الكتابة في زمن التزييف، وتعيد تعريف الكلمة بوصفها موقفًا وجوديًا لا مجرّد ممارسة جمالية.

تنفتح القصيدة عبر قناع «الولد غير الشقي» على تجربة جيل عراقي تشكّل وعيه في ظلّ صدمات مبكرة من الحروب والقمع والحصار والاحتلال، غير أنّ هذا «السقوط» لا يُقدَّم بوصفه هزيمة نهائية، بل يُعاد تأويله دلاليًا ليغدو عشقًا واعيًا للكلمة. وهنا تتبدّى إحدى آليات النص المركزية، حيث ينتقل الفعل من «هَوِيَ» بوصفه عشقًا تأسيسيًا مبكرًا، إلى «هَوَى» بوصفه سقوطًا مقصودًا في وادي «العشق المقدّس (الكلمة)»، أي اختيارًا أخلاقيًا واعيًا يحوّل الألم إلى التزام، والصدمة إلى معنى.

وفي مواجهة هذا الاختيار، ترسم القصيدة صورة منظومة متشابكة من التحريف والتزييف، تتجلّى في «الأسطر الصفر» و«الألسنة السليطة» و«دهاليز الاستراتيجيات» المحلية والعالمية، وهي منظومة لا تكتفي بقمع الجسد، بل تعمل على مصادرة الوعي الجمعي، وتشويه الذاكرة النضالية، وإلقاء «إرث الحرية الحمراء» – أي تاريخ التضحيات والمقاومة – في «قمامات نهاية التاريخ». وبهذا المعنى، تغدو الكتابة في النص فعل مقاومة رمزية، وصراعًا على المعنى، لا مجرّد تعبير عن ذات مجروحة.

ومن هنا تتأسّس أهمية هذه القصيدة بوصفها فضاءً غنيًا للتحليل البنيوي والسيميائي والدلالي، إذ تتبدّى عبرها شبكة كثيفة من التقابلات (نور/ظلام، صدق/تحريف، عشق/تزييف، كلمة/سلطة)، تتداخل فيها الأبعاد النفسية والسياسية، بحيث تصبح بنية القصيدة ذاتها مرآةً لتمزّق الذات العراقية المعاصرة بين الإيمان الراسخ بقداسة الكلمة، و الإحساس المرير بتهالك الأحلام وتآكل السرديات الكبرى. إنّ هذا التوتر البنيوي والدلالي هو ما يمنح النص طاقته التأويلية، ويجعله قابلًا لقراءة نقدية تكشف عن عمقه الجمالي والفكري في آن، بوصفه سيرة وعي لا سيرة فرد، وموقفًا أخلاقيًا لا حنينًا ذاتيًا.

نص القصيدة

مِنْ سيرةِ القلم البغداديّ

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى….

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في وادي العشقِ المُقدَّسِ

(الكلمة)،

فابتعدَ عن منازل التّحريفِ،

والأسطر الصُّفرِ،

والألسنةِ السّليطةِ التي

أدمنَتْ..

أوكارَ الظّلام،

ودهاليزَ الاستراتيجيات التي..

ألقَتْ بإرثِ الحريةِ الحمراءِ

في قماماتِ نهايةِ التاريخِ،

فأغفلَتْ

وتغافلَتْ

عن دربِ التَّبانةِ

في بيادي العشاق الذين..

لم يميلوا

عن قافلةِ الصّدقِ..

أنمُلةً،

والباحثين

عن نهاية النّفقِ

في رواياتِ الأحلامِ..

المتهالكةِ…؟

تعريف العنوان والأبيات (قراءة تفسيرية)

1-تعريف العنوان بوصفه عتبة نصية

يُعدّ عنوان القصيدة «مِنْ سيرةِ القلم البغداديّ» عتبةً نصيّةً أساسية ذات حمولة دلالية كثيفة، تؤدي وظيفة توجيه القراءة منذ اللحظة الأولى، وتؤسس الأفق التأويلي الذي يتحرك فيه النص. فالعنوان لا يقدّم معلومة محايدة، بل يعلن منذ البدء طبيعة الخطاب الشعري بوصفه خطاب سيرة، غير أنّ هذه السيرة لا تُنسب إلى ذات بشرية مباشرة، بل إلى «القلم»، بما يحمله من إيحاءات رمزية ومعرفية.

إنّ لفظة «سيرة» تحيل إلى التراكم الزمني والتجربة الممتدة، وتوحي بالمسار والتحوّل، لا باللحظة العابرة. غير أنّ إضافتها إلى «القلم» تنقلها من المجال البيوغرافي التقليدي إلى مجال رمزي، حيث يصبح القلم كيانًا فاعلًا، شاهدًا على التاريخ، وحاملًا للذاكرة والوعي. فالسيرة هنا ليست سردًا لحياة فرد، بل مسار كتابة وموقف، تتداخل فيه التجربة الشخصية مع التجربة الجمعية.

أما توصيف القلم بـ «البغدادي»، فيتجاوز الدلالة الجغرافية المباشرة ليؤسس انتماءً حضاريًا وثقافيًا. فبغداد، بوصفها رمزًا تاريخيًا للمعرفة واللغة والعقل، تمنح القلم بعدًا حضاريًا، وتجعله امتدادًا لإرث ثقافي طويل، لا مجرد أداة فردية. بهذا المعنى، يصبح القلم البغدادي حاملًا لذاكرة مدينة، بل لذاكرة حضارة، بكل ما شهدته من ازدهار وانكسار.

وتكتسب أداة الجر «مِنْ» في مطلع العنوان أهمية خاصة، إذ توحي بالانتقاء والجزئية، وكأن القصيدة لا تدّعي الإحاطة الكاملة بالسيرة، بل تقدّم مقطعًا أو شذرة منها. هذا الاختيار يعكس وعيًا شعريًا بطبيعة الكتابة بوصفها فعلًا ناقصًا بالضرورة، ومحاولة دائمة لالتقاط المعنى لا امتلاكه.

وعليه، فإن العنوان، بوصفه عتبة نصية، يهيّئ القارئ لقصيدة لا تُقرأ باعتبارها غنائية ذاتية خالصة، بل بوصفها نصًا تأمليًا ـ تاريخيًا، تتقاطع فيه الكتابة مع الذاكرة، والذات مع الجماعة، والجمالي مع الأخلاقي والسياسي. إنه عنوان يختزل مشروع القصيدة، ويعلن منذ البداية أن ما سيأتي هو كتابة عن الكتابة، وسيرة موقف قبل أن تكون سيرة حياة.

وبذلك، لا يقدّم العنوان سيرة سقوط أو انكسار، بل سيرة كتابة تتشكّل عبر الاختيار والعشق والوعي، وهو ما سيكشفه النص لاحقًا في تحوّلاته الدلالية.

تفسير الابيات

(ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ)

يفتتح الشاعر قصيدته بقوله: «ستٌّ مضينَ من الأحقابِ راحلتي القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ» في نبرةٍ تحمل طابع السيرة الذاتية الرمزية، حيث تُنزَع «الراحلة» من معناها المادي لتغدو استعارة لمسار الوعي والكتابة عبر الزمن. واختيار لفظ «الأحقاب» بدل «السنوات» أو «العقود» يضفي على الرحلة بُعدًا تاريخيًا كثيفًا، يوحي بأن التجربة ليست مجرد امتداد زمني، بل تراكم طبقات من الذاكرة الفردية والجمعية، حتى تكاد الرحلة تكتسب طابعًا أسطوريًا يتجاوز حدود الزمن العادي.

وتحديد مكوّنات الراحلة يكشف عن وعي الشاعر بطبيعة المسار الذي يخوضه:

فـالقلب يحيل إلى البعد الوجداني والأخلاقي، والحرف إلى الفكرة والمعنى، والقرطاس إلى الذاكرة والتدوين، والقلم إلى الفعل والالتزام.

بهذا لا يقدّم الشاعر قائمة أدوات، بل يشيّد تصورًا متكاملًا للكتابة بوصفها وسيلة عبور في التاريخ، لا مجرد تعبير ذاتي. فالرحلة ليست رحلة جسد في المكان، بل رحلة وعي في الزمن والمعنى، وليست بحثًا عن نجاة فردية، بل عن تثبيت أثر عبر الكلمة.

وفي ضوء القراءة التي تميّز بين العشق الأول (هَوِيَ) والسقوط الواعي في الكلمة (هَوَى)، يتضح أن هذا الافتتاح لا يقدّم مجرد بداية زمنية، بل يعلن منذ اللحظة الأولى عن مسار يتحوّل فيه العشق التأسيسي للكلمة إلى التزام وجودي.

فالقلب والحرف والقرطاس والقلم ليست عناصر محايدة، بل مراحل في رحلة تبدأ بـهَوِيَ—عشقٍ بريء للكلمة—ثم تتطوّر عبر التجربة والصدمة والوعي لتبلغ لحظة هَوَى—سقوطٍ مقصود في الكلمة، أي انحيازًا أخلاقيًا واعيًا يجعل الكتابة موقفًا قبل أن تكون مهارة.

وعليه، يغدو هذا المقطع إعلانًا صريحًا عن «رحلة بالقلب والقلم»، رحلة تتأسس على عشقٍ أول يتحوّل تدريجيًا إلى التزام، وعلى وعيٍ بأن ما سيأتي لاحقًا ليس استذكارًا شخصيًا، بل سيرة كتابة وسيرة موقف، تُبنى عبر الزمن وتُختبر في مواجهة العالم.

(مشَتْ على دربِها زَهْواً بماحملَتْ يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُم)

يقدّم الشاعر في قوله: «مَشَتْ على دربِها زَهْوًا بما حملَتْ» صورة لراحلةٍ تمتلك مسارها الخاص، لا تُقاد قسرًا ولا تنحرف تحت ضغط الخارج، بل تمضي في طريقها بوعيٍ بما تحمله من معنى وتجربة. والزهو هنا ليس غرورًا، بل اعتزازٌ أخلاقي بمعرفةٍ مُكتسَبة ومسارٍ مُختار، وهو الامتلاء ذاته الذي يرافق الذات حين تَهْوَى (تُحِبّ) الكلمة في بداياتها الأولى، أي حين يكون العشق (هَوِيَ) هو الطاقة الداخلية التي تمنح الخطى ثقتها الأولى.

أمّا قوله: «يسوقُها الكوكبُ الدُّرّيُّ والحُلُمُ» فيكشف عن ثنائية دلالية تتكامل فيها قوة العشق الأولى مع قوة السقوط الواعي لاحقًا. فـ«الكوكب الدري» نورٌ عالٍ ثابت، يمكن قراءته بوصفه رمزًا للحقيقة أو البوصلة القيمية التي تهدي المسير من الخارج، وهو الامتداد الطبيعي للعشق الأول (هَوِيَ) حين يتحوّل إلى معيار أخلاقي أعلى. في المقابل، يمثّل «الحلم» القوة الداخلية الدافعة، تلك الطاقة التي تجعل الذات تَهْوِي (تسقط) لاحقًا في وادي العشق المقدّس سقوطًا اختياريًا، أي انحيازًا واعيًا للكلمة بوصفها قدرًا ومسارًا.

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَم

فصيغة التعجب في قوله «وأيُّ حلم!» تؤدي وظيفة تعظيمية لا تقف عند حدود الانفعال البلاغي، بل ترفع الحلم إلى مرتبة المبدأ المؤسِّس لمسار الكتابة والوعي، كأن الشاعر يعلن منذ هذه اللحظة أن التجربة لا تُقاس بما تُراكِمه من سنوات، بل بما تُنتجه من أفق ورؤية. ومن هنا تكتسب صورة «نوافذه» دلالتها المركّبة؛ فهي لا تحيل إلى حلم مغلق أو يقين جامد، بل إلى فضاء معرفي مفتوح تتسع فيه زوايا الإدراك، بحيث يصبح الاتساع نفسه شرطًا للإضاءة. فكلما ازدادت «نوافذ» الحلم اتساعًا—أي كلما تعمّقت التجربة الفكرية والكتابية—ازداد امتلاؤه بالأنوار والحِكم، في انقلاب دلالي يقوّض التصور الشائع الذي يربط تعدد الرؤية بالتيه أو الشك، ويجعل الانفتاح هنا طريقًا إلى مزيد من الحكمة لا إلى العتمة. وعلى هذا الأساس، لا يقدّم الشاعر حلمًا تعويضيًا أو هروبًا من الواقع، بل حلمًا منتجًا للمعنى، يرسّخ نموذجًا لوعي لا يخشى توسيع أفقه لأن مرجعيته الأخلاقية والمعرفية ثابتة. وبهذا يغدو هذا البيت محرّكًا لبنية القصيدة الدلالية، لأنه يؤسس منذ البدء لاقتران الحلم بالكلمة بوصفهما مصدرين للهداية، ومقدّمةً لموقف نقدي سيشتدّ لاحقًا حين تُقابل الأنوار بدهاليز التحريف والظلام.

في زاويةٍ قصيَّةٍ منَ الوادي المُحلَّى بالنخلِ والنهرينِ أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ) صرختَه الأولى… ثمَّ هَوِىَ، وهو في ربيعِ خُطاهُ!”

فافتتاح المقطع بعبارة «في زاويةٍ قصيّة» لا يحدّد مكانًا جغرافيًا فحسب، بل يوحي بالهامشية والعزلة، وكأن الولادة الأولى للذات أو الوعي حدثت بعيدًا عن المركز، في فضاء جانبي من التاريخ. أما توصيف الوادي بـ«المحلّى بالنخل والنهرين»، فهو إحالة شفافة إلى العراق، وبغداد تحديدًا، بوصفها مهدًا حضاريًا تتجاور فيه الخصوبة الطبيعية مع الذاكرة الثقافية العميقة. هذه الإحالة لا تأتي بوصفها خلفية وصفية محايدة، بل بوصفها شرطًا تأسيسيًا للهوية، حيث يتشكّل الوعي في تماسّ مباشر مع التاريخ والمكان معًا.

وتأتي عبارة «الولد (غير الشقي)» لتؤكّد براءة البداية ونقاء التكوين، سواء أُخذت بوصفها إحالة إلى طفولة الشاعر أو إلى الذات المبدعة في لحظتها الأولى. نفي الشقاء هنا لا يُقرأ توصيفًا نفسيًا بقدر ما يُفهم موقفًا أخلاقيًا، يعلن أن هذه الذات لم تدخل العالم محمّلة بالانحراف أو الشر، بل بالاستعداد للحلم والمعنى.

أما «صرخته الأولى»، فهي صورة متعددة الطبقات، تصح قراءتها بوصفها صرخة الميلاد البيولوجي، لكنها تتجاوز ذلك إلى دلالة الميلاد الرمزي: ميلاد الوعي، أو الكلمة، أو الاحتجاج الأول في وجه العالم. الصرخة هنا ليست فعل ضعف، بل إعلان وجود وبداية اشتباك مع الواقع.

وعند قوله «ثمَّ هَوِىَ، وهو في ربيع خطاه»، تتبدّى أهمية التفريق الدلالي بين العشق والسقوط؛ فالفعل هنا يُقرأ بوصفه هَوِيَ لا هَوَى، أي أحبّ وعشق، لا سقط وانكسر. العشق يحدث في «ربيع الخطى»، أي في زمن البدايات والغرارة، لكنه لا يقود إلى الفناء أو الانتهاء، بل يشكّل تجربة تأسيسية مبكرة تُدخل الذات في اختبارها الأول مع العالم دون أن تُنهيها. وبهذا المعنى، لا يقدّم الشاعر صورة انكسار مبكر، بل يرسم ملامح عشق مبكر أسهم في تشكيل الوعي، ومهّد لاحقًا لتحوّل هذا العشق إلى التزام وجودي واعٍ، حين سيهوي القلم – لا الذات – في وادي الكلمة المقدسة.

لكنَّهُ لم ينتهِ، فلم يلمْهُ عاذلٌ، ولا نازلٌ.. مِنْ أدراجِ بُرجهِ العالي باللسانِ والعينِ المُصيبةِ قلبَ الولدِ الطّريّ.”

يأتي قوله «لكنَّهُ لم ينتهِ» بوصفه جملة استدراكية حاسمة تقطع مع منطق السقوط النهائي، وتعيد توجيه القراءة من الانكسار إلى الاختبار. فالنفي هنا لا يطال الجسد أو الحدث العابر، بل يمتدّ إلى التجربة والروح والوعي، بما يجعل الاستمرار ذاته فعل مقاومة، لا مجرّد نجاة. إنّ ما سبق من تعثّر أو عشق مبكر لا يُقدَّم بوصفه خاتمة، بل بوصفه لحظة تأسيس ستُبنى عليها ملامح الموقف اللاحق.

وفي نفي اللوم عن «العاذل» و«النازل من أدراج برجه العاجي» يتجلّى موقف نقدي واضح من أشكال الوصاية الفكرية والأخلاقية. فالبرج العاجي يحيل إلى نخبة متعالية أو مثقف منقطع عن الواقع، وربما إلى سلطة تتحدّث من موقع فوقي وتدّعي امتلاك الحقيقة. غير أنّ الشاعر يعلن بوضوح أن هذه الأصوات، مهما امتلكت من سلطة خطابية، لم تستطع أن تُخضع التجربة أو تُطفئ جذوتها الداخلية.

وتتكثّف أدوات هذا القمع الرمزي في عبارتي «اللسان» و«العين المصيبة»، حيث يحيل الأول إلى الخطاب الجارح والتجريح والتخوين، فيما تحيل الثانية إلى الرقابة والتربّص والنظرة السلطوية التي تستهدف كسر الداخل لا الجسد. غير أنّ هذه الأدوات، على شدّتها، لم تُصب «قلب الولد الطري»، وهو تعبير يجمع بين الهشاشة والنقاء، ويؤكّد أن البراءة هنا ليست ضعفًا، بل مصدر قوة أخلاقية ومناعة داخلية.

وعليه، يرسّخ هذا المقطع حضور «الولد غير الشقي» بوصفه رمزًا للمبدع النقي والوعي المقاوم، في قراءة منسجمة مع المسار العام للقصيدة. فالنص لا يحتفي بالنجاة السهلة، بل يكرّس فكرة الصمود الداخلي في مواجهة القمع الرمزي، ويجعل من الاستمرار ذاته فعلًا شعريًا وأخلاقيًا، يمهّد للانتقال اللاحق من العشق إلى الالتزام، ومن التجربة الفردية إلى الموقف الوجودي.

(تسمية الجوهر: العشق والكلمة)

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ في وادي العشقِ المُقدَّسِ (الكلمة)،

يأتي قوله «الولدُ غيرُ الشقيّ هوى» ليعيد توظيف فعل الهوى بعد أن كان قد ارتبط في السياق السابق بالانجذاب الأول، فيمنحه هنا دلالة مغايرة تمامًا. فالهوى لم يعد انكسارًا أو هزيمة، بل يتحوّل إلى انجذاب وجودي واعٍ، أشبه بالسقوط في الحب، حيث يفقد المرء توازنه لا ضعفًا، بل استسلامًا لقوة أعلى يختارها بإرادته. وبهذا المعنى، يعيد الشاعر تأويل السقوط لا بوصفه قسرًا أو إخفاقًا، بل بوصفه اختيارًا وانحيازًا، ينتقل فيه العشق من مستوى التجربة الوجدانية إلى مستوى القرار الوجودي.

أما عبارة «وادي العشق المقدس (الكلمة)»، فتشكّل لحظة كشف صريح يرفع فيها الشاعر الرمز إلى مستوى التسمية المباشرة. فالوادي، بما يحمله من إيحاءات العمق والاحتواء والمسار، يتحوّل إلى فضاء روحي، فيما يُوصَف العشق بالمقدّس، بما ينقل التجربة من حدود الموهبة أو التعبير الجمالي إلى أفق الالتزام الوجودي. ووضع كلمة «الكلمة» بين قوسين لا يأتي بوصفه شرحًا للرمز، بل تثبيتًا له، وتأكيدًا على أن المقصود ليس عشقًا عاطفيًا، بل عشق اللغة بوصفها جوهرًا ومعنى ورسالة.

قد يعجبك ايضا