مصطفى طارق الدليمي
لا يمكن قراءة تاريخ بغداد المعاصر بمعزل عن زقاقها الضيق الذي يحمل اسم “المتنبي” فهذا الشارع لم يكن يوماً مجرد سوق لتجارة الورق إنما كان وما زال المختبر الحي الذي تُقاس من خلاله نبضات الوعي العراقي وتحولاته السياسية والاجتماعية غير أن المتأمل في واقع الشارع اليوم يلاحظ تحولاً بنيوياً يثير الكثير من الأسئلة حول هوية المكان ومستقبله حيث يتأرجح المتنبي حالياً بين هويته التاريخية كمنصة لإنتاج الموقف والنقد وبين واقعه الجديد الذي يدفعه نحو “السلعنة” والتحول إلى مزار سياحي يطغى فيه الضجيج البصري على العمق المعرفي.
إن أعمال التأهيل الأخيرة التي منحت الشارع مظهراً حضارياً لا ينكره أحد قد جلبت معها في الوقت ذاته تحدياً من نوع خاص إذ تحولت “عتبة الشارع” من منطلق للبحث عن المصادر والمراجع الرصينة إلى مسرح مفتوح لثقافة “الصورة “و “السيلفي” حيث بات الزائر يبحث عن توثيق حضوره الشخصي في المكان أكثر من بحثه عن محتوى الكتاب الذي يحمله وهو ما أدى بالضرورة إلى انحسار تدريجي لصوت المثقف النوعي لصالح جمهور عابر يستهلك الرمزية التاريخية للمكان دون الاشتباك مع نتاجه الفكري
هذا التحول في الوظيفة الاجتماعية للشارع ترافق مع أزمة اقتصادية ومعرفية خانقة تضرب دور النشر العراقية العريقة وتتمثل في استفحال ظاهرة “القرصنة الفكرية” أو الكتب المستنسخة التي تملأ الأرصفة تحت مرأى ومسمع الجميع إن غياب قوانين حماية الملكية الفكرية لم يضرب اقتصاديات النشر بل إنَّ الأمر يتعدى ليصل إلى المساهمة في تسطيح الذائقة العامة حيث أصبح الكتاب “سلعة” تُقاس بثمنها الزهيد لا بقيمتها الفكرية مما دفع بالمثقف والمبدع العراقي إلى الانزواء أو الهجرة نحو منصات افتراضية بعيدة عن مركزية الشارع وفي خضم هذا الزحام تراجع دور المقاهي الثقافية التي كانت بمثابة “برلمانات ظل” تُناقش فيها أمهات القضايا الوطنية والوجودية لتتحول في كثير من الأحيان إلى محطات استراحة سياحية تفتقر للسجال النقدي الحقيقي الذي عرفه الشارع في عقود الخمسينيات والستينيات وما بعدها
إن الحفاظ على رصانة شارع المتنبي يتطلب اليوم رؤية تتجاوز حدود الترميم العمراني نحو ترميم “الدور الثقافي” فالشارع بحاجة إلى استعادة هيبته كمركز لصناعة الوعي وهذا لن يتحقق إلا بحماية حقوق الكاتب والناشر وإعادة تفعيل الندوات الفكرية الجادة التي تشتبك مع قضايا الدولة والمجتمع بعمق واحترافية بعيداً عن المجاملات الأدبية أو الاستعراضات الموسمية إننا أمام مسؤولية تاريخية للحفاظ على المتنبي بوصفه “رئة” المعرفة وليس مجرد واجهة سياحية جميلة تفتقر للمتن المعرفي فبغداد التي علّمت العالم القراءة تستحق أن يبقى شارعها منارة للفكر الحر والبحث الجاد لا مجرد ذكرى عالقة في صور العابرين.