توفيق المعموري شاعرٌ حمل ظله ومضى في دروب الشعر والشتات

محمدعلي محيي الدين

في مدينة المسيب، حيث يتعانق الفرات مع الروح، وُلد الشاعر والأديب توفيق حنون المعموري يوم 22 نيسان من عام 1943، ليبدأ رحلةً أدبية طويلة اتسعت بين الوطن والمنفى، بين القصيدة والمقالة، بين الشعر الموشّى بالحزن والرواية المتخمة بالتأمل، فجاء حضوره الأدبي متفرّدًا، يشبه خطوات ظلٍ يبحث عن مأوى، كما في عنوان أحد دواوينه.
دخل الكتاتيب صغيرًا، وتعلّم مبكرًا أسرار الأبجدية، ثم التحق بالمدارس الرسمية عام 1952، وأكمل دراسته حتى نال شهادة البكالوريوس من كلية التربية/ جامعة بغداد عام 1969، وهناك تفتحت موهبته الأدبية بين أساتذة كبار أثروا تجربته، منهم: د. مصطفى جواد، نازك الملائكة، عاتكة الخزرجي، علي جواد الطاهر، وعناد غزوان. وفي أجواء الستينيات، نشر أولى محاولاته الأدبية في صحيفة “كل شيء”، ومنذ ذلك التاريخ لم يتوقف قلمه عن الكتابة.

بعد تخرّجه، عمل مدرسًا للغة العربية في ثانوية المسيب، ثم أُوفد إلى نيجيريا، حيث درّس في المعهد العربي النيجيري وجامعة “إيبان”، وهناك كتب وترجم وأرسل قصائده ومقالاته إلى مجلة ألف باء وغيرها، وتُوجت تلك المرحلة بترجمته لكتابين عن الأدب النيجيري، أحدهما “حكايات اليوربا” الذي صدر لاحقًا عام 2012، والآخر ظلّ مخطوطًا بعنوان “الصخرة السحرية”.
عاد إلى العراق ليستأنف عمله التربوي حتى تقاعده عام 1992، ثم بدأ جولة جديدة في اليمن (1992–1996) وليبيا (1998–2000)، حيث أسهم في التعليم ونشر المقالات، واندمج في المشهد الثقافي العربي من بوابات مختلفة.
نشر المعموري أربع مجموعات شعرية تمثل عصارة تجربته المتعددة: فراشات (1995)- للكلمات نكهة الرماد (2000)- أبحث عن مأوى لظلي (2002)-المجموعة الشعرية الكاملة (2023).
قصيدته ليست ضوءًا صرفًا، وليست ظلمةً كاملة، بل حالة مائعة من الدخان والضوء، حيث تمتزج الصورة الشعرية بالانفعال الوجودي. لم يكن شاعرًا مناسباتيًا ولا صوتًا طارئًا في ساحة القصيدة، بل بنى عالمه الخاص، الذي انشطر فيه بين الحنين والمرارة، بين الحلم والخذلان. وكما قال عنه الناقد صباح محسن جاسم: “قصيدة توفيق المعموري لا تسعى إلى إدهاشك بالتقنية، بل تباغتك بالصدق، وتستدرجك عبر ألمٍ داخلي عميق، يخرج من خاصرة الوطن ولا يعود إليه إلا نازفًا.”
أما الناقد الدكتور قيس الجنابي، فعدّ تجربته الشعرية امتدادًا لـ”الوجدان العراقي في صورته الجمالية المتأملة”، وأضاف: “يمتلك المعموري قاموسًا لغويًا متينًا دون أن يغرق في الغرابة، وهو شاعر يعرف كيف يبني سطوره مثلما يبني المعلم درسًا متقنًا، فالقصيدة عنده درس في الحنين.”
وقال عنه الشاعر ريسان الخزعلي: “في شعره نكهة من الرماد فعلًا، لكنه رماد من لهبٍ عاطفي وفكري، شاعر لا يتصنع ولا يتكلف، بل ينطلق من عمق الوجدان الشعبي المثقف.”
في رحاب السرد والترجمة والنقد
لم يكن توفيق المعموري شاعرًا فقط، بل روائيًا وناقدًا ومترجمًا. صدرت له أعمال روائية متعددة منها: الخلوي (2013)- للهروب خطوة أخرى (2014)- درابين (2016)- شواكة سويلم- سحر الأخضر الداكن (من أدب الرحلات ( 2022).
وفي الترجمة قدّم كتاب “حكايات اليوربا” الذي جلب معه نكهة الأسطورة الإفريقية إلى القارئ العربي. كما أنجز دراسات نقدية عميقة مثل “نظرات في ديوان ابن رشيق القيرواني” و*”الحماسة في شعر المتنبي”*. ودوّن مذكراته في كتابه الذاتي “المتاهة: أوراق من مذكرات مواطن عراقي”.
حضورٌ أدبي واعتراف نقدي
نال المعموري تكريمات عديدة، منها درع الجواهري من الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ودرع الإبداع وقلادة الاتحاد الدولي، وشارك في أبرز المهرجانات الأدبية مثل المربد، الجواهري، أبي تمام، المتنبي، ومهرجانات الفرات الأوسط.
كتب عنه نقاد وأدباء من أجيال مختلفة، منهم: الناقد حمدي العطار، الأديب سلام كاظم فرج، الناقد عدي العبادي، الشاعر علي الإسكندري، الشاعر مهند صلاح، الأديب طه حسن عجام، الأديب فاضل حمزة السوود، وأفرد له الكاتب مهدي المعموري كتابًا نقديًا توثيقيًا بعنوان “بواكير” (المطبعة العصرية – بابل)، تناول فيه سيرة المعموري وتحليلًا لمجمل تجربته الشعرية، فيما وثّقت سيرته الذاتية في مصادر مرجعية منها: “أدباء وكتّاب بابل المعاصرون” – د. عبد الرضا عوض، “أنطولوجيا القصة البابلية” – د. سعد الحداد، “موسوعة أعلام المسيب” – مهدي المعموري.
رحيله… وبقاء ظلّه
رحل توفيق المعموري في 7 حزيران 2022، لكن صوته ظلّ معلقًا في هواء الشعر، وكتبه تواصل الصدى في وجدان قراء عرفوه من خلال الكلمات لا من خلال العناوين الصاخبة. لقد عاش بهدوء ومات بصمت، لكنه ترك منجزًا أدبيًا يقف على قدمين، أحداهما في الشعر، والثانية في السرد، بينما ظلّه يراوح بينهما كقصيدة لم تكتمل بعد.

قد يعجبك ايضا