عبد الله بن أحمد الفيفي
الخطأ، والنسيان، والزيادة والنقصان، أدواء تَعْتَوِر المكتوب كما تَعْتَوِر المرويَّ شفويًّا. بل قد يكون ما يَعْتَوِر المكتوب من ذلك أكثر وأفسد للنصِّ، وإنمَّا مزيَّة الكتابة على الرواية تكمن في مغالبتها عوامل الزمن المتطاول، بتثبيت الذاكرة في مادَّة، يُفترض أنْ تبقَى أطول مدَّةٍ لتُتوارث عبر الأجيال. ومع ذلك، فكم في تراثنا العَرَبي من نصوصٍ مكتوبةٍ ضاعت؛ لأنَّها كُتِبت، ولم تُحفَظ ولم تُرْوَ! ولو كانت مرويَّةً لبقيت منها بقايا، على أقلِّ تقدير. وحسبنا شاهدًا تاريخيَّا ما حدث جرَّاء الغزو المغولي، أو ما حدث في الأندلس، أو ما يحدث دائمًا جرَّاء الكوارث الطبيعيَّة أو الحرائق من تلف مقتنياتٍ، قد يشمل مكتباتٍ كاملة. وهكذا يتبيَّن أنَّ المسألة التوثيقيَّة تظلُّ نِسبيَّةً في المفاضلة بين الشفاهي والكتابي، والرواية والتدوين، وأنَّ من المجازفة إطلاقَ الأحكام التعميميَّة في هذا الشأن، دون دراسة كلِّ حالة بحالها، بعيدًا عن المصادرات النمطيَّة، بلا تأمُّلٍ عِلميٍّ دقيق، وتحليلٍ استقرائيٍّ شامل.
أمَّا منهاج الشَّكِّ، فمنهاجان: منهاج الشَّكِّ للوصول إلى ما يُشبِه اليقين على أساسٍ عِلمي. وهو ما يُفهَم من المنطلقات الديكارتيَّة على حقيقتها. ومنهاج شكٍّ آخَر، هو منهاج الشَّكِّ للشكِّ. وهو منهاجٌ مريض؛ قد ينشأ عن أسباب أيديولوجيَّة، أو قوميَّة، وبالجُملة عن قِيَمٍ عاطفيَّة، لا شأن لها بقضايا العِلم وإحقاق الحقائق. وفي ميدان الأدب، قد ينشأ الشَّكُّ- بدعوَى العِلميَّة- عن فرض مقاييس عقليَّة، أو واقعيَّة، لا صلة لها بطبيعة الأدب أصلًا. فلو فُرض منطق العقل والواقع، لساغ، إذن، أن تُنكَر نسبة معظم الأدب إلى أصحابه، بما في ذلك الأدب المعاصر. لأنَّ الخطاب الأدبيَّ خطابٌ مضادٌّ للعقل العِلمي، والواقع الاجتماعي، والبيئة المحيطة. ولولا هذا لكانت القصيدة، مثلًا، تقريرًا صحفيًّا لا شِعرًا.
وهذا اللَّون المريض من الشَّكِّ بات مضمار راكضين معاصرين، من مدَّعي البحث، من مستشرقين وعَرَب، حتى بلغ الأمر لدَى فئام منهم إلى التشكيك في تاريخيَّة بعض الأعلام(1)، والأحداث، والكُتُب، واللُّغات، والنصوص، بل التشكيك في التاريخ كلِّه؛ بذريعة أنَّ وثائقه غير كافية عِلميًّا، من وجهة نظر هؤلاء! يكاد أحدهم يُكذِّب كلَّ روايةٍ أو خبر، مهما تواترا، أو تضافرت عليهما الأدلَّة، أو أُثبِتا بالنصوص القطعيَّة الثبوت، ما لم يكن صاحبنا قد عاش بنفسه في الماضي، وشَهِد بعينَيه، وسمع بأذنَيه، وصافح بيدَيه ذلك الماضي بتفاصيله! بل لو أنَّه عاش بنفسه في الماضي، لرأيت له في الاعتلال بحَوَص العَينَين، أو عشاهما، أو طَرَش السمع، أو عَطَب اليد، ما يتنصَّل به بُغيةَ الإنكار أو التشكيك؛ لأنَّ الغَرَض مَرَضٌ، فوق مَرَض الشَّكِّ، ولا يجتمعان والبحث عن الحقيقة المجرَّدة في غِمدٍ واحدٍ أبدًا.
ومن الطريف في هذا السِّياق أن تجد مِن هؤلاء المَرْضَى- وبعضهم قد يحمل شهادةً عُليا بزعمه- مَن يتساءل عن الشواهد الكتابيَّة عن أعلام عاشوا قبل التاريخ. نعنى قبل وجود الكتابة التي نعرفها. فتراه يتساءل مثلًا عن حقيقة شخصيَّات مثل (النبيِّ موسى)، أو (إبراهيم)، بل عن (نوح)، متسائلًا: ولِـمَ لا نجد كتابات عنهم، إنْ كانوا حقًّا شخصيَّات تاريخيَّة؟!
هكذا خاض بنا (ذو القروح) مخاضه الجديد. فقلتُ له:
ـ إذن، هذه محض شخصيَّات أسطوريَّة، هكذا ببساطة، لدى أولئك المؤتفكة!
ـ مع أنَّ تعامل الباحث هنا مع التاريخ. ولتاريخ نشوء الكتابة في العالَم مسارٌ معلوم. والقفز على هذه الحقائق قفزٌ على العِلم والتاريخ إلى ضروب من الأساطير المعاصرة. ذلك أنَّ فَنَّ الكتابة في عصر (مُوسَى)، مثلًا، كان إمَّا بالكتابة التصويريَّة، وإمَّا بالكتابة المقطعيَّة، وربما بالكتابة الحروفيَّة الأبجديَّة. فالأُولَى: الهيروغليفيَّة التصويريَّة المِصْريَّة، والثانية: المسماريَّة المقطعيَّة العِراقيَّة، والثالثة: الأبجديَّة، التي كانت قبل القرن العاشر قبل الميلاد في بداياتها الأُولَى، وبالفينيقيَّة غالبًا، وظلَّت حينًا من الدَّهر محدودة الاستعمال، وفي الأغراض التجاريَّة أكثر من أيِّ مجالٍ آخَر. تلك هي الضروب الثلاثة من الكتابة التي عُرِفَت في العالم خلال الحقبة التي عاش فيها (مُوسَى)، أو قُل: خلال القرن 13 و14ق.م. هذا فضلًا عمَّا قبل ذلك من حِقَب لم تعرف الكتابة. فأمَّا المسماريَّة، فبَعيدة الاحتمال جِدًّا في استعمال (مُوسَى) و(بني إسرائيل) في ذلك الطَّور المبكِّر. واحتمال الكتابة بالأبجديَّة الرمزيَّة الحروفيَّة يبدو أبعد من المسماريَّة؛ لتأخُّر نشوئها قياسًا إلى عصر (مُوسَى)، أو تأخُّر انتشارها.(2) وعلى افتراض أنها قد عُرِفت الكتابة الأبجديَّة في عصره، فلا بُدَّ أنها كانت نادرةً جدًّا ومحدودة الأغراض.(3) فإنْ كانت من كتابةٍ في بني إسرائيل إذ ذاك، فبالكتابة التصويريَّة المِصْريَّة. و«التوراة» تشير إلى أنَّ وسيلة الكتابة كانت النقش على الحجَر.(4) وعلى هذا قِسْ تصوُّرك لتلك المجاهل من التاريخ السحيق، التي يُصِر بعضٌ على وجود وثائق مكتوبة عنها، وإلَّا حكمَ بأن أخبارها من قبيل الأساطير.
ـ ومؤدَّى ذلك أنَّ الاعتماد الأكبر خلال تلك الأزمان كان بالضرورة على الحِفظ والترديد، حسب الثقافة الشفاهيَّة البدائيَّة.
ـ ومثالب الذاكرة الشفاهيَّة، والرواية السماعيَّة، وعيوب آليَّاتها معروفة، وهي قابلة للخلط والنسيان، والإضافة والنقصان.(5) وهي إلى ذلك جماعيَّةٌ، تذوب فيها الفرديَّة غالبًا في اللِّسان الجمعي. ولذا كانت عوامل الاضطراب متضافرةً جدًّا، وأسباب الضياع كثيرة، وطُرق التناقض واردة، وبخاصَّة مع عدم الاستقرار، ونزول الكوارث التي تتتالَى على الناس، وناهيك بهذا كلِّه من أسبابٍ لغياب الشواهد التوثيقيَّة.
ـ وما تلك الأسفار المسطورة في مجلَّدها الضخم، بين دفَّتَي ما يُسمَّى «العهد القديم»؟
ـ ما هو إلَّا نتاج قرونٍ لاحقةٍ من التدوين التاريخي الجماعي؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سجلَّات الذاكرة.
ـ ومع هذا، سترى، وَفق هذا السياق، مشهدًا لظاهرة أراها في تفاقم، خلال السنوات الأخيرة.
ـ وما ذاك؟
ـ أعني كثرة المُثَرثرين عن عوالم الغيب، والعجائب، وأسرار الإنسان، والكون. ولا سيما من فئة الشباب، وتصدُّر النساء هذا المضمار، على نحوٍ لافت، وغير مسبوق. خائضين في موضوعات مثل: «المفتاح السحري لتحقيق ما تريده»، «أسرار الكون وحقيقتك من خلال التعرُّف على السِّرِّ القديم»، «الاستقبال اللَّامحدود: تمرين عملي لزيادة الرزق والبركة في حياتك»، «لتدخل حياتك المعجزات»، «من أين جئنا؟ قصة بدايتنا مع الخالق قبل التقمُّص»، «سِرٌّ من أسرار عالم الغيب: البُعد الأعلى- كيف تتصل بعالم الغيب؟»، «كلُّ شيءٍ من جوهر واحد، يُدرِك ذلك بالوجدان في لحظة اتصال حقيقي»، «ما الشيء الذي يقف حائلًا بينك وبين رزقك؟»… إلخ.