محمد علي محيي الدين
جمعة عجيل درويش راشد اللامي لم يكن اسماً عابراً في تاريخ السرد العراقي، بل سيرةً إنسانية وأدبية تشكّلت من الجرح، وتغذّت من الذاكرة، وكتبت نفسها على تخوم المنفى والوطن معاً. وُلد في محافظة ميسان في الأول من تموز عام 1947، وفي جنوب العراق أكمل دراسته الأولية، وسط بيئة اجتماعية حادّة الانقسام، مثقلة بالفقر والظلم والحزن المقيم في البيوت وبساتين النخيل والمساجد والأسواق، وهو مناخ مبكر سيترك أثره العميق في وعيه وكتابته لاحقاً.

عام 1959 انتقل إلى بغداد، المدينة التي فتحت له أبواب الثقافة وأسئلتها الكبرى، لكنها لم تمهله طويلاً، ففي عام 1963 صدر بحقه حكم بالسجن اثني عشر عاماً، قضى منها ست سنوات متواصلة متنقلاً بين السجون والمعتقلات. لم تكن تلك السنوات مجرد تجربة قاسية، بل تحولت إلى مختبر داخلي لإعادة اكتشاف الإنسان والسلطة والعنف والحرية، وهي ثيمات ستغدو لاحقاً ركائز أساسية في مشروعه السردي.
غادر جمعة اللامي العراق عام 1979، ليستقر منذ عام 1980 في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث واصل نشاطه الثقافي والإعلامي. شغل مناصب عدة في صحيفتي الخليج والاتحاد، وعمل كاتباً متفرغاً في جريدة الخليج، كما تولّى رئاسة مركز الشارقة – ميسان العالمي للحوار والتنمية الثقافية، مؤكداً عبر حضوره الدائم أن المنفى لا يلغي الانتماء، بل يعيد صياغته في شكل وعي ومسؤولية ثقافية.
أصدر اللامي خلال مسيرته عدداً مهماً من المؤلفات تنوّعت بين القصة القصيرة والرواية والنصوص المفتوحة والشعر واليوميات الثقافية. في القصة القصيرة صدرت له مجموعات منها: اليشن (1968)، من قتل حكمة الشامي (1976)، الثلاثيات (1979)، وعلى الدرب. وفي الرواية كتب: مجنون زينب (1998)، عيون زينب، المقامة اللامية (1999)، والثلاثية الأولى (2000). كما أصدر عدداً من الكتب النصية والفكرية من بينها: عبد الله بن فرات، أشواق السيدة البابلية، الحرية والثقافة – نصوص في حرية الضمير، إضافة إلى دفاتر الشارقة التي وثّق فيها تجربته في المكان والذاكرة، وكتاب الكائنات: التاريخ الشخصي للشجعان والقتلة، وهو من أبرز أعماله في مساءلة التاريخ والعنف والسلطة. ولم تغب القصيدة عن عالمه، فقد أصدر نصوصاً شعرية منها ابن ميسان في عزلته.
نال جمعة اللامي خلال مسيرته الأدبية عدداً من الجوائز المهمة، منها الجائزة الأولى في القصة القصيرة من المؤتمر الأول للكتّاب الشباب في بغداد عام 1977، وجائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي في القصة القصيرة عام 2006، وجائزة العنقاء الذهبية الدولية عام 2007، وقلادة بغداد للإبداع سنة 2011، وهي جوائز جاءت تتويجاً لمسار طويل من العمل السردي الجاد.
توقّف النقاد طويلاً عند تجربته، إذ كتب الناقد حمزة عليوي عن مجموعته من قتل حكمة الشامي، مشيراً إلى طبيعة عناوينها الإشكالية وبنائها السردي الاتهامي، الذي يشتغل على سؤال “من قتل؟” بوصفه سؤالاً أخلاقياً وسياسياً، يعيد مساءلة منطق السلطة ويقاوم محاولات تمييع الجريمة وتبرئة القاتل. أما الأستاذ كامل عبد الرحيم، فقد رأى في كتاب الكائنات سيرة جيلٍ كامل، واعتبر جمعة اللامي رمزاً وحادياً لجيلٍ احتضن قضايا العالم لينتهي إلى حبّ موجع ويائس لوطنٍ مثخن بالجراح، مشيداً بلغته المتينة وخطابه الرصين الذي يقرع أجراس النهاية، مع ومضات أمل خافتة تستمد نورها من الأنهار والأهوار وذاكرة العدالة.
وفي حوار أجراه معه خليل الجيزاوي، قدّم جمعة اللامي شهادة إنسانية كثيفة عن العراق الذي سكنه وسكن كتابته، متحدثاً عن نشأته في جنوب البلاد، عن المنابر الحسينية وتقاليد عاشوراء، عن الرحلات إلى المراقد، وحكايات أبي مخنف، وتغريبة بني هلال، وعن الظلم الذي كان يقع على الفلاح الجنوبي، والتمايز الاجتماعي، ومعايشة طقوس الصابئة، والدخول إلى بيوت المسيحيين ومشاركة العوائل اليهودية طعامها في العمارة، والحزن على الزنوج الذين تعرّضوا للعزل والاحتقار. استعاد أيضاً صور موت أخواته الرضع، ودفن الموتى المؤقت قرب مرقد السيد نور في العمارة، وحياة الناس البسطاء، وكلّها مشاهد تحولت في كتابته إلى ذاكرة سردية مشبعة بالألم والأسئلة.
في السابع عشر من نيسان عام 2025، رحل جمعة اللامي، لكنه ترك وراءه منجزاً أدبياً وإنسانياً يؤكّد أن الكاتب الحقيقي لا يغادر وطنه حتى وهو في المنفى، بل يتحوّل إلى حارس لذاكرته، لأسمائه، وأنهاره، وأحزانه، وأحلامه المؤجلة.