د. ابراهیم احمد سمو
في الرفق والطموح وفهم مسارات الحياة
يروي الستيني تجربته لا بوصفها حكمة مطلقة، بل خلاصة عمرٍ طويلٍ تعاقبت فيه الأيام بما تحمله من أفراح ومشكلات. فبمعدلٍ عام، لا يمرّ يوم على الإنسان إلا ويسجّل عنده حدثًا ما؛ بعضه يُقال ويُنشر ويدخل في باب العاديات، وبعضه لا يُقال فيبقى حبيس الصدر، تتراكم آثاره في الداخل، ويحاول الإنسان كتمها والتأقلم معها رغم صعوبتها. وهناك مشكلات لا تشبه غيرها، كأنها سكاكين حادة تمزّق الروح أوصالًا، خاصةً عند من يؤمن بالحياة بصدق، أو عند الوفيّ لكل الأطراف، إذ لا يكتمل المشهد داخله، فيدخل في دوّامة تفكير تؤثر كثيرًا في مزاجه وصحته، وقد تقوده – لا قدّر الله – إلى أزمات صحية لا يستحقها، ومع ذلك فكل ما يأتي من الله مقبول.
الإنسان في الأربعين وما دون يختلف كثيرًا عن الإنسان في الستين. فالستيني قد أثقلته التجارب، ونال منه التعب، وبذل جهدًا عاليًا من أجل نفسٍ جميلة وقلبٍ حيّ، حتى صار قلبه أقلّ احتمالًا للإساءة أو الخبر الحزين. ومن هنا، أيها الشباب القادم، أيها الجيل الذي يُعوّل عليه، كونوا حذرين ويقظين في تعاملكم مع الجيل الذي يليكم لا الذي قبلكم. فالذين قبلكم كبروا، وصاروا في مؤخرة القطار، ينتظرون الوصول إلى برّ الأمان. لا تخافوا منهم، فهم لا يحتاجون إلا الرفق، وتقديم الاحترام، والكلمة الطيبة، والسلام الذي يُؤخذ بحُسن الحديث.
أما أنتم، ففي عمر القرار. لا تستعجلوا، لكن لا تبقوا مكتوفي الأيدي. إن لمحتم ضوء تفاؤل في أمرٍ يخص طموحكم، فتوجّهوا إليه بهدوء وسلام. وإن شعرتم أن الطريق بات بعيدًا أو مسدودًا، فلا بأس بالاستدارة والبحث عن بابٍ آخر للنجاح. فليس كل من يبدأ معكم في المدرسة أو العمل يصل بالوتيرة نفسها إلى برّ الأمان من المسؤوليات. منهم من يأخذه الزمن، ومنهم من يتأخر به قطار الحياة، ومنهم من يستقر في وظائف عادية حتى يحين التقاعد، وهذه نسبة كبيرة.
ما يهمّنا هنا هم أصحاب الطموح العالي، أولئك الذين يتطلعون إلى مناصب عليا في الدولة أو العمل العام. وبحسب التجربة، فإن الطموح الإداري غالبًا ما يكون أكثر ثباتًا من الطموح السياسي؛ فالأول، إن كان قائمًا على عمل يومي مستقيم، يمنح صاحبه استقرارًا وتراكمًا، أما الثاني، فمهما بلغ فيه الإنسان من نجاح، قد تأتيه عاصفة مجهولة من شخصٍ ما تعيده سنوات إلى الوراء.
ومن تجاوز الأربعين وبلغ خريف العمر وهو في موقع مسؤولية، عليه أن يدرك أن لحظة واحدة قد تفسد عليه ماضيه، وتهدر ما جمعه من مال، وتقتل كل جميل بناه. لذلك فالدعوة خالصة لأهل الطموح الإداري والسياسي أن يضعوا الطريق المستقيم نصب أعينهم، مهما كانت صعوبة السير فيه. فالتجربة خير بيان، وقد يكون الإنسان صاحب قلم وفكر وثقافة واسعة، لكن إن لم تتوفر له إمكانات مادية تعينه على الاستمرار، فقد يخبو طموحه. فالاقتصاد اليوم لاعبٌ أساسي، ومن أحسن جمع المال وأحسن السخاء به، وصل أسرع؛ ما قد يحتاج عشرين عامًا، قد يتحقق في عشرة.
هذه ليست وصايا جامدة، بل إشارات من قلبٍ جرّب، ومن عمرٍ رأى، ومن إنسانٍ يتمنى للجيل القادم أن يصل بأقل الخسائر وأكثر الحكمة