الستيني يروي تجربته (7): رسالة إلى من هم دون الأربعين

د.ابراهيم احمد سمو

كان يحضر مجالس المثقفين، ويظنّ في كل مرة يذهب فيها أنه سيضيف جديدًا إلى معارفه. أسماءٌ ترنّ في الآذان، وألقابٌ كبيرة، غير أن حديث كثيرٍ منهم لا يتجاوز ما نسمعه في وسائل الإعلام. يستصغرون الآخرين، بينما يوجد من هو أكثر منهم ثقافةً وعمقًا وعزّة نفس، لكنهم يلتزمون الصمت تواضعًا أو حياءً أو انشغالًا بما هو أعمق.

لهذا أقول: كونوا ـ يا أهل الثقافة، ويا جيل المستقبل من بعدنا ـ على قدرٍ من التواضع، ولا تنجرّوا وراء قراءة بعض الكتب ثم الرقص على حبال الكلمات والتباهي بها أمام الآخرين. لا تنسوا أبدًا أن الصمت أحيانًا دليل وعي، وأن من لا يتكلم ليس بالضرورة أقل علمًا. لكن حين تكثر المغالطات، وتزداد الأخطاء، لا بدّ أن ينفجر الصمت، لا غضبًا، بل تصحيحًا للمعلومات ووضعًا للأمور في نصابها.

وقد شاهدنا ذلك كثيرًا بين إخوتنا ومن جيلنا؛ قرأ بعضهم شيئًا يسيرًا، ثم بالغ في التباهي. أذكر شخصًا ما زال اسمه حاضرًا في ذهني، قرأ كتابًا واحدًا عن الديمقراطية، فظلّ يحدّثنا لسنوات عن الحرية وحقوق الإنسان، كان يقدّم لنا دائمًا محاضراتٍ عن الديمقراطية نظنّه من بناة أفكاره، ثم أثبتت الأيام افكاره مجرد نسخة من رواية عالمية في نفس المضمون من الافكار اكثر من عشرون عام ؛ كنا نظنّه مثقّفًا من طرازٍ خاصّ

نعم، نحن جيلٌ قليل القراءة، كثير النقاش بلا طائل، وأقولها اعتذارًا لا فخرًا. ونتمنى أن تكونوا أنتم جيلًا كثير القراءة، قليل النقاش ويمكن أن تكونوا كثيري الكتابة للتوثيق، والتسويق، ونقل المعرفة إلى الأجيال … و ما زلتُ على قناعة بأن القراءة، والتثقيف، والتبحّر في المعرفة، أفضل من شهادةٍ عليا في اختصاصٍ لا يُتقَن حقّ إتقانه. الشهادة ضرورية بلا شك، لكنها وحدها لا تصنع إنسانًا مثقفًا، بل تضيف سطرًا في السيرة الذاتية لا أكثر.

أعتذر إليكم ـ أيها الجيل القادم، المؤهّل لقيادة الوطن وحمل المسؤوليات ـ جيل الأربعين وما دون. كونوا جاهزين لما هو قادم. نحن قدّمنا ما عندنا، لكن الأنانيات غلبت الكثير الكثير، وهذا ما لا نتمناه لكم. اعذرونا، فجـيلنا ذاق طعم الحرية لأول مرة في أعمارٍ قريبة من أعماركم، وكانت تلك الحرية بداية تجربة جديدة: برلمان جديد، وحكومة جديدة، لكنها بقيت تدور منّا وإلينا.

أنتم كنتم صغارًا، وها أنتم تكبرون، وتملكون القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ. ما ارتكبناه من أخطاء قابلٌ للتصحيح على أيديكم. كونوا حذرين في الأعوام القادمة؛ فالأوطان لا تُبنى بالأرض والشعب فقط، بل بما تمتلكه من طاقات. وإن بقينا نستورد كل شيء من الخارج دون أن يكون لنا دور في الإنتاج، خسرنا كثيرًا.

الدول تنهض بالمعامل، وبقوة الإنتاج المحلي. لدينا أرض خصبة، وإمكانات كبيرة يمكن استثمارها، ولدينا أنتم بتطلعاتكم للنهضة، وبما تملكونه من أدوات التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة. استغلّوا ذلك في خطواتٍ من شأنها أن تستر العورات، وتحفظ كرامة الأمة، وتقدّم العطاء الحقيقي للوطن

قد يعجبك ايضا