الستيني يروي تجربته (6 ) رسالة إلى من هم دون الأربعين

د. ابراهيم احمد سمو

بين الفرح والتعزية: كيف تكشف المناسبات حقيقة العلاقات

تختلف العلاقات الإنسانية في حقيقتها وعمقها باختلاف المواقف التي تجمع الناس، ولعلّ أكثر المناسبات كشفًا لطبيعة هذه العلاقات هي الفرح والتعزية. ففي كلٍ منهما تظهر النوايا، وتتضح درجات القرب، ويُعرف من يحضر بدافع المحبة، ومن يأتي بدافع المجاملة، ومن يختار الغياب عمدًا ثم يبرّره بالنسيان.

في مناسبات الفرح، كالأعراس والاحتفالات، يكون الاختيار بيد صاحب الفرح. هو من يقرّر من يدعو، ومن يعتذر له، ومن يضعه في دائرة المقرّبين. وقد يختار أصدقاءه بعناية، ليس فقط بدافع القرب، بل أيضًا مراعاةً للظروف، أو تفاديًا للإحراج، أو خشية أن يفسد وجود بعض الأشخاص جوّ الفرح. ولهذا، نجد أن بعض المدعوين يحضرون بفرح صادق، وبعضهم يأتي بدافع الحرج الاجتماعي، لا أكثر، بينما يتمنى آخرون الحضور لكنهم لم يُدعوا أصلًا.

في هذا السياق، يصبح قول (نسيت أن أدعوك) أمرًا شائكًا؛ لأن النسيان في مثل هذه المناسبات نادر الحدوث. فغالبًا ما يكون النسيان جزءًا من المجاملة، أو محاولة لتجنّب المواجهة، أو تعبيرًا غير مباشر عن عدم الرغبة. وهنا يكمن قدر من عدم الصدق، حتى وإن كان مغلّفًا بلطف الكلام.

ومع ذلك، قد يرى البعض أنه من الواجب، إن كانت العلاقة طيبة وصادقة، أن يشارك الإنسان فرح صديقه حتى وإن لم تصله دعوة مباشرة، طالما أن حضوره لن يسبّب إحراجًا لصاحب المناسبة، ولن يخلق توترًا بين المدعوين. فالفرح بطبيعته مشاركة، وليس حكرًا على بطاقات الدعوة فقط. لكن هذا المبدأ يظلّ مشروطًا بالحسّ الاجتماعي والوعي بالمكانة والعلاقة، لأن بعض الغيابات تكون أحيانًا أرحم من الحضور.

أما في مناسبات الحزن، وبالأخص التعزية، فالأمر يختلف جذريًا. لا توجد دعوات، ولا قوائم مدعوين، ولا اختيار مسبق من أهل الفقيد. الحضور هنا طواعية، نابع من إحساس إنساني وأخلاقي، لا من انتظار دعوة. أهل التعزية لا يدعون أحدًا، لكنهم يعرفون تمامًا من حضر ومن غاب، ومن وقف معهم في لحظة الضعف، ومن اختار البُعد.

في الحزن، يصبح الحكم مختلفًا. فالإنسان لا يُلام إن لم يُدعَ، لأنه لم يكن هناك دعوة أصلًا. لكنه يُسأل أخلاقيًا عن موقفه: هل حضر؟ هل واسى؟ هل شارك ولو بكلمة؟ ولهذا، فإن الغياب في التعزية يكون أبلغ أثرًا من الغياب في الفرح، لأن الحضور هنا دليل وفاء، لا مجاملة.

من خلال التجربة، يتضح أن العلاقات الحقيقية تُقاس أكثر في أوقات الحزن منها في أوقات الفرح. الفرح قد يجمع الغرباء، لكن الحزن لا يحضره إلا من كان صادقًا في قربه. وان كان من الغرباء لكنه جار و صديق عمل او شخصية اجتماعية ومع ذلك، يبقى الفرح أيضًا مرآة تكشف الكثير: من نختاره ليشاركنا أجمل لحظاتنا، ومن نُبعده بصمت، ومن نُجامله بالكلمات.

في النهاية، ليست المسألة في الدعوة أو عدمها، ولا في الحضور أو الغياب فقط، بل في النية التي تقف خلف كل تصرّف. فالعلاقات الصادقة لا تحتاج تبريرًا طويلًا، كما أن الغياب المتكرر لا يُغطّيه عذر النسيان. وبين الفرح والتعزية، يتعلّم الإنسان درسًا عميقًا: من يكون حاضرًا حين نحتاجه، هو الأجدر أن نشاركه حين نفرح.

قد يعجبك ايضا