د.اميمة منير جادو
باحث اكاديمي- عضو اتحاد الكتاب
ملخص الدراسة:
تتناول هذه الدراسة قصة “مسابقة سَفِّ السكر” للكاتب جلال الصياد، والتي تدور في فلك “أدب الوظيفة” لتكشف عن خلل سلوكي يتحول من عبث طفولي إلى مأساة وجودية. تحلل الدراسة بنية النص القائمة على “المفارقة السوداء”، وكيف نجح الكاتب في تحويل مادة “السكر” من رمز للتحلية والمكافأة إلى أداة للقتل الصامت، مستعرضةً الصراع بين المنطق (عارف) والعبث (صادق وعثمان).
أولاً: بنية النص (من السكون إلى الفوضى)
يبدأ الكاتب قصته بمشهد شديد السكون والنمطية (غرفة محاسبة، هدوء، عمل روتيني). هذا الاستهلال يخدم الغرض الدرامي؛ فالفراغ النفسي والملل الوظيفي هما اللذان دفعا الأبطال لاختراع “المسابقات العبثية” لكسر رتابة اليوم.
* الاستشهاد النصي: “يخيم عليهم الصمت طول الوقت؛ لقيامهم بأعمال المحاسبة التي تحتاج إلى الهدوء”.
* التحليل: هنا مفارقة مبكرة، فالمحاسب الذي يدقق في الأرقام الصغيرة، غفل عن “محاسبة” جسده وتقدير حجم الخطر الذي يلتهمه.
ثانياً: رمزية السكر (التحول من التذوق إلى الإدمان)
السكر في القصة ليس مجرد سلعة، بل هو “بطل صامت”. تحول من “تحلية للشاي” إلى “فطائر بسبوسة” ثم إلى “سَفٍّ” مباشر.
* الاستشهاد النصي: “يضع السكر في حفنة يده ويقذفها في فمه، وكأنهما في سباق”.
* النقد: استخدم الكاتب لفظ “سَفّ” وهو لفظ يحمل دلالة شعبية ترتبط غالباً بالأدوية الشعبية أو المواد المخدرة، مما يوحي بأن الشخصيات فقدت السيطرة العقلانية وانتقلت لمرحلة “الإدمان الحركي”.
ثالثاً: الشخصيات وتجسيد الصراع (العقل في مواجهة القطيع)
تمثل شخصية “عارف” (من اسمه: المعرفة والوعي) صوت العقل والمنطق، بينما يمثل “صادق وعثمان” النزوة الجماعية أو “سيكولوجية الحشد” التي تستهين بالمخاطر.
* التحليل الفني: محاولة “عارف” الانفصال عن الجمعية بـ “قراطيس ورقية” هي محاولة للنجاة الفردية، لكن “التنمر” والضغط الجماعي أعاده للدائرة. الكاتب هنا يبرز فكرة خطيرة: وهي أن البيئة الفاسدة قد تجر العاقل إلى مصيرها قسراً.
رابعاً: المفارقة الدرامية والنهاية التراجيدية
تعتمد القصة على “المفارقة القدرية”. فالشخصيات كانت تسرق السكر وتتسابق فيه كنوع من “الشطارة” أو “المتعة المجانية”، لكن الضريبة كانت “الحياة” ذاتها.
* الاستشهاد النصي: “كانت النتيجة الطبية (ارتفاع حاد للسكر بالدم)… رحل الاثنان في سنٍ مبكرة”.
* التعقيب: انتقل الكاتب بالسرد من الكوميديا السوداء (الضحك وسرقة القراطيس) إلى التراجيديا الصادمة (الموت) في سطر واحد، وهو ما يسمى في فن القصة بـ “القفلة الصاعقة”.
خامساً: التقييم النقدي (هل هي قصة قصيرة مكتملة؟)

تتوفر في النص العناصر الجوهرية للقصة القصيرة:
* الحدث الصاعد: يبدأ من العجز في ميزانية السكر وصولاً إلى اكتشاف المسابقة.
* التكثيف: القصة لا ترهل فيها، كل مشهد (الفطائر، القراطيس، المستشفى) يؤدي للذي يليه بضرورة منطقية.
* الرسالة الضمنية: القصة تتجاوز الوعظ الصحي المباشر لتطرح سؤالاً حول “الفراغ الإنساني” وكيف يمكن أن يقود الإنسان لتدمير نفسه بأبسط الأشياء.
خاتمة الدراسة:
نجح جلال الصياد في “مسابقة سَفِّ السكر” في صياغة نص أدبي يمزج بين الواقعية الاجتماعية والنقد السلوكي. لقد جعل من “ملعقة سكر” خنجراً، ومن “مكتب محاسبة” ساحة إعدام. النص يتميز بصدق البيئة المصرية وسلاسة الانتقال بين الفكاهة والمأساة.
أرى أن هذه القصة تصلح كنموذج لـ “القصة الهادفة” التي لا تضحي بالفن لصالح الموعظة، بل تجعل الموعظة نتيجة حتمية للبناء الفني.
—
نص
قصة قصيرة ( مسابقة سَفِّ السكر)
بقلم جلال الصياد
في حجرة صغيرة بإحدى المصالح الحكومية، تضم مكتبًا طويلًا به ثلاثة أدراج يستخدمهم ثلاثة من الموظفين، هم ” صادق” و “عارف” و “عثمان ” .
يخيم عليهم الصمت طول الوقت؛ لقيامهم بأعمال المحاسبة التي تحتاج إلى الهدوء.
وبين الحين والآخر يتطوع أحدهم بالقيام بإعداد ثلاثة أكواب من الشاي؛ لعدم وجود بوفيه.
اتفقوا فيما بينهم على دفع مبلغ ثابت من المال أول كل شهر، كجمعية لشراء احتياجاتهم من باكوات الشاي، وعدد آخر من أكياس السكر…
وأن يتولى مسؤولية تلك المهمة الزميل “عارف”.
مر.. شهر.. اثنان.. دون ظهور أي مشكلة.
وفي الشهر الثالث ، أخبرهم “صادق” بأن محل فطاطري جديد فُتِحَ بجوار مسكنه، يقوم بإعداد فطائر بالبسبوسة والكنافة بالكريمة … و.. و..، و يرغب أن نتذوقها.
على أن يدفع هو ثمن المرة الأولى.
في اليوم التالي، أحضر “صادق” الفطائر، وأعطى كلًا منهما فطيرة.
التقط “عارف” قطعة فطيرة والتهمها في فمه.
وتبعاه صادق وعثمان واتفقوا على أن تكون تلك الفطيرة هى وجبة الافطار كل يوم.
وفي الشهر الثالث .. لاحظ “عارف” أن كمية السكر المشتراه لا تكفي، وأخبرهما بدفع مبلغ اضافي لشراء السكر ؛ لسد العجز، وفي الشهر الرابع والخامس لاحظ أن نسبة العجز في السكر تزداد، أخبرهم بذلك دون التفكير في البحث عن أسباب ذلك العجز.
لم يعلق “صادق” و” عثمان” ، واعتبرا الأمر لا يستحق التفكير، باعتبار أن الكلام في أمور، مثل: الأكل والشرب، من الأشياء التافهة، بل ومن العيب أيضًا، لكن “عارف” أصر على معرفة سبب ذلك العجز.
بدأ يراقب زميليه ..
لاحظ “صادق”يضع السكر في حفنه يده ويقذفها في فمه، ويقلده “عثمان” وكأنهما في سباق.
مرَّ الشهر السادس على هذا الحال، وفي بداية الشهر السابع ،وعند جمع المبلغ والذي غالبًا ما يزداد كل شهر دون اعتراض من أحد.
فاجأهما “عارف” بأنه تعرف على النمل الذي يأكل السكر، وقبل أن يكمل حديثه، انفجر” صادق” و “عثمان” في الضحك، واعترفا له بأنهما كانا يتسابقان في مسابقة من نوع جديد، ألا وهي مسابقة ( سَفّ السكر).
أبلغهما “عارف” بقراره منفردًا بأنه انسحب من هذه الجمعية، وأنه سوف يبلغ زوجته بأن تعد له عددًا من القراطيس الورقية، فى كل منها نصف ملعقة من السكر وأخرى من الشاي، وخلطهما ببعضهما.
راقبه “صادق” و”عثمان” ، وحرصا على أن لا يتركاه يهنأ بهذا القرار.
راقباه لمدة ثلاثة أيام حتى عرفا مكان اختباء القراطيس.
بدءا في مغافلته وسرقة قرطاس واحد فى كل يوم.
واستمرا على هذه الحال، حتى عاد “عارف” صاغرًا معتذرًا وانضم للجمعية من جديد على أن يتوقفا عن تلك المسابقة المهلكة.
وفى أحد الايام ….
وبعد تناول الافطار ، شعر صادق بألم شديد فى بطنه ، واحساس برغبة فى التقيء، توقف عن الأكل .
التف حوله الجميع وحالة من القلق سادت المكان .
ارتفعت درجة حرارته، وراح فى غيبوبة .
استدعى الزملاء سيارة الاسعاف
وفى المستشفى أدخلوه قسم الطوارئ وبعد اجراء التحاليل وما يلزم من اشعات ، وكانت النتيجة الطبية ( ارتفاع حاد للسكر بالدم)
بدأ صادق رحلة طويلة من العلاج دون جدوى.
لحق به “عثمان”، ولم يمض وقت طويل حتى رحل الاثنان في سن ٍمبكرة.