محمد علي محيي الدين
كانت نسرين محمد فخري عبد العزيز الصابونجي واحدة من تلك الأرواح التي لا تمر في الحياة مرور العابرين، بل تترك أثرها كما يترك المطر أثره في الأرض العطشى. ولدت في السليمانية في السابع والعشرين من كانون الأول عام 1937، وفي مدينتها الأولى تشكل وعيها، وتفتحت لغتها، ونمت حساسيتها المبكرة تجاه الكلمة بوصفها وطناً ثانياً للروح. هناك أكملت دراستها الأولية، قبل أن تحمل شغفها إلى بغداد، حيث التحقت بكلية الآداب في جامعة بغداد عام 1959، متسلحة بحب اللغة العربية وآدابها، لتنهي دراستها بدرجة الشرف، وتبدأ منذ تلك اللحظة مسيرة علمية وأدبية نادرة التوهج.

لم تكتف نسرين فخري بحدود التخصص الواحد، بل فتحت روحها على آفاق أوسع، فشدت الرحال إلى الاتحاد السوفيتي آنذاك، ونالت شهادة الدكتوراه عام 1965 من مدينة كيروف في باكو عن أطروحتها الموسومة بـ«اللغة الكردية وقواعدها»، لتكون واحدة من أوائل الأكاديميات العراقيات اللواتي جمعن بين عمق البحث اللغوي ودقة المنهج العلمي وسعة الأفق الثقافي. ومنذ عام 1966 بدأت عطائها الجامعي في كلية التربية – ابن رشد بجامعة بغداد، حيث مارست التدريس، وأشرفت على رسائل وأطاريح الدراسات العليا في مجالات لغوية وأدبية ومقارنة في الأقسام الكردية والعربية والفارسية، فكانت أستاذة تجمع بين الصرامة العلمية ورقة الروح، وبين دقة الأكاديمية ودفء الشاعرة.
امتدت شخصيتها الثقافية إلى المؤسسات والهيئات العلمية والأدبية، فكانت عضواً في اتحاد الأدباء العراقيين، ونقابة الصحفيين العراقيين، وعضواً في لجنتي اللغة والتراث في المجمع العلمي العراقي، وعضواً مؤسساً في الهيئة الكردية منذ انطلاقها عام 1971، ومن مؤسسي اتحاد الأدباء الأكراد، وعضواً في الجمعية الثقافية الكردية، وجمعية الباراسايكولوجي العراقية، والهيئة الإدارية لمركز البحوث النفسية، وعضواً مؤازراً في المجمع العلمي العراقي – الهيئة الكردية منذ تأسيسها. ولم يكن حضورها في هذه المؤسسات شكلياً، بل كان حضور الفاعل الذي يضيف ويقترح ويعمل، ويؤمن بأن الثقافة مسؤولية لا زينة اجتماعية.
كما كانت عضواً في الهيئة الاستشارية لمجلة «روشنبيرى نوى»، وأسهمت ببحوث علمية ومقالات نقدية وقصائد شعرية في المجلات التي تصدرها دار الثقافة والنشر الكردية، ومنها «رهنكين» و«بهيان» و«روشنبيرى نوى»، فضلاً عن مشاركتها في تأسيس أو تحرير أو العمل ضمن هيئات تحرير أكثر من خمسٍ وعشرين مجلة وجريدة عربية وكردية، من بينها مجلة الطليعة في أواخر الخمسينيات، ومجلة المثقف الجديد، وشمس كردستان، والأستاذ، والأديب الكردي، وهيوا، ونشرة الباراسايكولوجي، والحياة، وغيرها، لتغدو سيرتها الصحفية مرآة لسعة اهتمامها وتنوع عطائها.
أما شعرها، فكان عالماً قائماً بذاته، يجمع الهدوء إلى العاصفة، والرقة إلى العمق، والأنوثة إلى قوة الإباء. وصفها الدكتور بدرخان السندي بأنها حالة شعرية يصعب أن تُختصر في مصطلح واحد، إذ تأتيك همساً لتوقظ فيك ثورة كونية، وتشد وثاقك دون ضجيج. ورأى فيها الأديب الصحفي حسين الجاف واحدة من أشهر الشواعر الكرديات، وشاعرة ومترجمة من الطراز الأول، مذكّراً بترجماتها الرائدة للشعر الكردي الحديث إلى العربية، ولا سيما ترجماتها لأعمال عبد الله كوران وفائق بيكهس، التي أسهمت في تعريف الأجيال العراقية برواد التجديد في الشعر الكردي. أما دارا، فقد رسم صورتها الإنسانية والأدبية بوصفها امرأة هادئة، عفوية، تحمل في صمتها هماً فنياً جميلاً ونظرة ممتدة إلى آفاق الصفاء والإبداع، وأضاف إليها وصفاً بالغ الدلالة حين قال إنها شاعرة الإباء والأصالة، وشاعرة الحب التي غنّت للعرب والأكراد وللإنسانية جمعاء.
شاركت نسرين فخري في مؤتمرات وندوات علمية وثقافية عديدة داخل العراق وخارجه، منها المؤتمر الأول للجامعات العراقية، وندوات المجمع العلمي العراقي، والمؤتمر التاسع والعشرون للاستشراق العالمي في باريس عام 1973، ومؤتمر دراسات الشرق الأدنى في الولايات المتحدة عام 1978، إضافة إلى تفرغها العلمي في جامعة ميشيغان للمدة 1978–1979، ومشاركاتها في مؤتمرات عقدت في روسيا وألمانيا وفنلندا. وكانت هذه المشاركات تعبيراً عن حضورها العالمي، وعن قناعتها بأن الثقافة العراقية والكردية جزء أصيل من الثقافة الإنسانية الكبرى.
في مسيرتها التكريمية، حملت ألقاباً صارت جزءاً من هويتها الأدبية، فقد لُقبت بـ«شاعرة الكلية» أثناء دراستها الجامعية، وعدّت ذلك أول وسام اعتزاز لها، ثم توالت الألقاب: «شاعرة الإباء والأصالة»، و«ماء السماء»، و«الصوت الهادئ»، و«سمندرا»، ونالت شهادات تقديرية عديدة لبحوثها وجهودها في جمعية الباراسايكولوجي العراقية، وكرّمتها جمعية الثقافة الكردية ومجلتها، ومنحت شارة الرواد في الصحافة، كما شملها التكريم من ديوان الرئاسة العراقية ضمن «الكتاب المبدعين في العراق» لكثرة نتاجها باللغتين العربية والكردية خلال عامي 1983 و1984.
أما آثارها المطبوعة، فهي سجل حي لرحلتها بين الشعر والبحث والترجمة والتعليم، من بينها: «الألعاب الشعبية في المنطقة الكردية» في جزأين، و«أنا في جرحك النزف» و«بو» في الشعر الكردي، و«قواعد اللغة الكردية»، و«الجملة ومفهوم الجملة وخصائصها في اللغة الكردية»، و«العلوم» مترجماً في جزأين، و«اللحن الأخير» في الشعر العربي، وكتبها المدرسية في اللغة الكردية للمرحلتين الابتدائية والإعدادية، و«المصادر التي فقدت معانيها»، وغيرها من المؤلفات التي تشهد على عمقها العلمي وسعة اهتمامها اللغوي.
وإلى جانب المطبوع، تركت أكثر من خمسة عشر مؤلفاً مخطوطاً، منها «إبحار على شراع أهوج»، و«الألفاظ العربية في اللغة الكردية»، و«الكلمات المزدوجة»، و«الكنايات والأيديوم والمصطلحات العربية دراسة مقارنة»، و«السيكسيكوجيا»، و«مذكرات مجهولة في سجن غير منظور» بأجزائه الأربعة، فضلاً عن مجموعات قصصية وأقصوصات ودراسات لغوية، وكأنها كانت تعمل وفي داخلها يقين بأن الوقت مهما طال لا يكفي لقول كل ما تريد قوله.
نشرت نسرين فخري مئات المقالات والدراسات والقصائد والقصص تأليفاً وترجمة في الصحف والمجلات العربية والكردية، ولا سيما في مجلة المعلم وجريدة العراق والمجلات الكردية المتخصصة، ودخل اسمها الموسوعات والمعاجم الثقافية، فوردت سيرتها في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين، وموسوعة أعلام وعلماء العراق، وكتاب النتاج النسوي في العراق، وكتاب «هؤلاء في مرايا هؤلاء»، ومعجم الأديبات والكاتبات العراقيات في العصر الحديث. وكتب عنها نقاد وأدباء وباحثون كثر، منهم الدكتور ضياء نافع، ووحيد الدين بهاء الدين، وحسن البياتي، وحسين الجاف، وميان السندي، ودارا، وعادل مجيد كرمياني، وعدنان طعمة تلو، والدكتور بدرخان السندي، وصادق عبد الصاحب التميمي، وناهدة رفيق حلمي، والدكتورة ناهضة ستار، وشيرين محمد البدري، والدكتور عز الدين الراوي، وسهيل إدريس لجوية، بينما تُرجم شعرها من الكردية إلى العربية على يد فائق جميل سدني وناظم سعدون العبدلي.
رحلت نسرين فخري عام 2018، لكنها لم ترحل من الذاكرة الثقافية، فقد بقيت صورتها مثالاً للأديبة التي جمعت بين البحث والشعر، وبين الجامعة والصحافة، وبين الهوية الكردية والانتماء الإنساني الأوسع. كانت ماءً نازلاً من سماء الثقافة العراقية، يروي أرضها بهدوء، ويمنحها خصباً دائماً، ويؤكد أن الكلمة حين تصدر من قلب نقي تصبح وطناً لا يموت.