د. ابراهيم احمد سمو
وقفنا في صفٍ طويل، وتراصف الواصلون من تجاوزوا الستين، ومعهم جمعٌ من الشباب دون الأربعين. أدلينا بهذه الملاحظات علّ الحاضرين ينتفعون بها، وعلّ القرّاء يجدون فيها خلاصة تجربة عُمُر. قلنا للجميع: ها نحن نقترب من نهاية طريق لا نعرف عنه اليوم إلا بقدر ما سمعناه في بطون الكتب، أو مما حكاه الذين سبقونا فأداروا المساجد والأديرة، ومراكز العبادة ، وتحدّثوا عن زمنٍ كنا فيه صغارًا لا نستطيع الخروج من قوالبه. كبرنا، وكان المطلوب منا ألّا نتدخل في شؤون الآخرين، وأن نقبل بما يريده المجتمع لنا: ماذا نلبس، ومتى نذهب إلى التعازي، ولماذا لا يجوز إلا السواد، ولماذا تُمنع الألوان الزاهية، ولماذا علينا أن نختنق في بدلات رسمية وربطات عنق تُقيّد أنفاسنا. كأن أحدٌ ما ينتظرنا دومًا ليمسكنا ويقودنا حيث يريد.
كان من الاجدر : لا نتدخل فيما لا يعنينا ، ولا نحشر أنفسنا في مشاكل غيرنا ، ولا نذهب بعيدًا وراء الكلمة والعلم. كان الأجدر ـ أن نأخذ من العلم بقدر الحاجة لا أكثر. شوشنا أنفسنا بين الأيديولوجيات المختلفة، وغصنا في الفلسفة بكل أنواعها؛ مرةً إلى يسار الفكرة، ومرةً إلى يمينها، حتى شعرنا أننا نقترب من التطرف بعض الاحيان. لم نقبل الا بالكثير، وكنا نعلم أن العمر قصير، وأن تمديده لا يكون إلا بصرفه على الأمراض وتعب الأيام.و الذهاب الى حيث لا نعرف بقدر ما سمعنا و قرأنا …
دخلنا في صراعٍ مع الجيل نفسه، وبين الجدران وفي مجالس الأدب والثقافة؛ هذا يقول وذاك يرد، وسنوات تمضي. للأسف خسرنا أشياء جميلة، ولم ننتفع من هذا الكرم الفكري كما ينبغي. كان ممكنًا أن نذهب إلى أطراف المدينة، إلى القرية، إلى حيث العيون المائية والفلاحة والخضرة والأوكسجين الصافي.حتى لو عشنا في خيام، لولا صراع البشر في صنع الظروف وتغير الافكار ، نعم، لكن الإنسان كان يمكن ألّا يتغير، أو على الأقل أن يحُدّ من تمدد الظروف عليه. فالظروف في غالبها يصنعها البشر.
الإنسان هو الذي يُنادى إلى الحرب، وإلى الدمار، وهو الذي ينادي بتغيير الطبيعة وفقًا لطبيعته هو. لا يرضى بالموجود، ويبحث عمّا يُملي فكره، وحين يميل إلى ما يريد يكون ذلك ـ في الغالب ـ على حساب البشر والطبيعة. وهكذا يُخلق في داخله حبّ الدكتاتورية، والغريب في الأمر أنه يلتجئ إلى الإنسان نفسه ليكون عبدًا مطيعًا له. لو عاد العمر من جديد، لتركنا الحياة في جمالها، ولما أسفنا. فالبشر هو الذي خلق القبح، وهو الذي خلق الشر و وشوَّه جمالَ الطبيعة
لم يكن علينا أن نجبر أنفسنا لإرضاء الآخرين، ولا أن نتقدم على حساب بعضنا، ولا أن يتقدم بعضهم على حسابنا. هذه الكلمات نكتبها لكل من تجاوز الستين، وهي في حقيقتها نصائح إلى الجيل الجديد، وبالذات لمن هم دون الأربعين. لم يكن علينا أن نلهي أنفسنا بالقلم كثيرًا، ولا أن نغرق في العلم وفيرًا، لا لأن الفكر والعلم لا ينفعان، بل لأننا ـ نحن أهل المقال والكتاب، من الأدباء والكتّاب والشعراء ـ حتى اختنقنا بالسنين.
للأسف نقول: جهلنا الأهل والأقرباء والأطفال. صرنا ـ من حيث لا نشعر ـ سببًا في أن تطير المشاعر من داخل الدار، وسببًا في ألّا تكون العلاقات على ما يرام. شغلنا النقاش والجدل والقراءة والكتابة عن دفء البيت، وعن ضحكة طفل، وعن جلسة عائلية صادقة. ظننا أننا نؤدي رسالة عظيمة، ولم ننتبه إلى أننا نخسر رسائل أصغر، لكنها أصدق وأبقى.
اليوم، ونحن على أعتاب الشيخوخة، ندرك أن كثيرًا مما ركضنا وراءه لم يكن يستحق هذا الركض كله. ندرك أن الحياة ليست موقفًا فكريًا فقط، ولا مشروعًا ثقافيًا دائمًا، بل هي أيضًا خبزٌ يُكسر مع الأسرة، وحديقة تُسقى صباحًا، وصديق يُزار دون موعد، وقرية يُهرب إليها من صخب المدينة.
نقول لمن هم دون الأربعين: خذوا من العلم ما يفتح عقولكم، لا ما يثقل قلوبكم. اقرأوا، لكن لا تجعلوا القراءة جدارًا بينكم وبين الناس. اكتبوا، لكن لا تنسوا أن تعيشوا. لا تؤجلوا الحياة إلى ما بعد إنجاز مشروعكم الفكري أو الوظيفي. لا تسمحوا للأيديولوجيات أن تسجنكم، ولا للمجتمع أن يخنق فرديتكم باسم التقاليد. اختاروا لأنفسكم طريقًا أوسع، فيه مكان للعقل، ومكان للقلب.
وتذكروا أن الإنسان أثمن من الفكرة، وأن العائلة أولى من أي منبر، وأن الطبيعة ليست ترفًا بل ضرورة. إن كان لنا من وصية بعد الستين، فهي هذه: لا تكرروا أخطاءنا، ولا تنتظروا الندم ليعلمكم ما كان يمكن أن يكون أجمل