«حين يقود المعلّم التوكتوك: المفارقة الأخلاقية وانكسار الصورة الاجتماعية في”قصة سائق التوكتوك لمحمد نجيب الجزار” قراءة تحليلية نقدية
د أميمة منير جادو
باحث اكاديمي- عضو اتحاد كتاب مصر
مقدمة: ملخص للقصة
تدور قصة «سائق التوكتوك» حول محمد، الشاب الذي يسافر إلى مدينة صغيرة لزيارة أخواله، حاملاً في ذهنه حلم الزواج من ابنة خاله، وفي يده هدايا كثيرة تعكس رغبته في القبول الاجتماعي وإرضاء الأسرة. تتعقد رحلته البسيطة حين يعجز عن العثور على وسيلة نقل بسبب ضخامة مشترياته، إلى أن يفاجئه سائق توكتوك يتوقف طواعية، متحليًا بأدب جم ولطف غير متوقع.
غير أن المفاجأة الكبرى تأتي عندما يكتشف محمد أن هذا السائق ليس سوى أستاذه السابق في اللغة العربية، الذي اضطرته قسوة العيش إلى العمل خفية خارج مدينته. ينتهي النص بموقف أخلاقي صامت، إذ يختار محمد ستر أستاذه وعدم كشف هويته، مستحضِرًا الحديث النبوي الشريف: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة».
أولًا: البنية السردية والحبكة
تقوم القصة على حبكة خطية بسيطة تتدرج من:
تمهيد (الرحلة – الهدايا – الانتظار)،
إلى أزمة صغيرة (عجزه عن إيجاد وسيلة نقل)،
ثم مفارقة مركزية (ظهور سائق التوكتوك المختلف)،
وصولًا إلى الذروة الصادمة المتمثلة في كشف هوية السائق.
هذا البناء يخدم فكرة النص الأساسية، إذ يعتمد على المفاجأة الأخلاقية لا على الحدث المعقد، ويجعل لحظة التعرف على الأستاذ هي بؤرة الدلالة، حيث تنقلب نظرة القارئ كما انقلبت نظرة البطل.
ثانيًا: الشخصيات ودلالاتها
محمد: شخصية عادية تمثل الإنسان الوسيط، المتلقي للقيم لا صانعها، ويُحسب له تطوره الداخلي من دهشة الإعجاب إلى وعي أخلاقي ناضج.
الأستاذ علي توفيق: شخصية رمزية بامتياز، تمثل انكسار الصورة الاجتماعية للمعلّم في الواقع المعاصر، لكنه في الوقت نفسه يجسّد ثبات القيم رغم تبدل المواقع.
الشخصيات الغائبة (الأم – ابنة الخال – المجتمع): تؤدي دورًا ضاغطًا غير مباشر، يرسّخ فكرة التوقعات الاجتماعية والمكانة.
ثالثًا: المفارقة بوصفها تقنية مركزية
تعتمد القصة على مفارقة حادة:
مفارقة المهنة: معلّم لغة عربية → سائق توكتوك.
مفارقة القيم: المجتمع يحتقر المهنة، بينما يتحلى صاحبها بأرفع الأخلاق.
مفارقة الرؤية: البطل يُعجب بالسلوك قبل أن يعرف الهوية، فيتعلم درسًا أخلاقيًا عميقًا.
هذه المفارقة لا تُستخدم للتهكم، بل للإدانة الصامتة لواقع اجتماعي قاسٍ.
رابعًا: اللغة والأسلوب
لغة القصة:
فصيحة واضحة تميل إلى السرد الكلاسيكي.
تعتمد على الوصف الوظيفي غير المتكلف.
تتخللها جمل تأملية داخلية تعبّر عن وعي الشخصية (قالها في نفسه – هكذا قال في نفسه).
ويُلاحظ نجاح الكاتب في الاقتصاد اللغوي في لحظة الذروة، إذ يختصر الانفعال الكبير في الصمت، وهو اختيار فني موفق.
خامسًا: الرؤية الفكرية والدلالة العامة
تطرح القصة أسئلة شائكة:
هل الكرامة في المهنة أم في القيم؟
كيف يتحول المعلّم من رمز للهيبة إلى عامل خفي؟
من المسؤول عن هذا الانكسار: الفرد أم المجتمع؟
ولا تجيب القصة مباشرة، بل تكتفي بتعرية الواقع وترك الحكم للقارئ.
سادسًا: الاستشهادات النصية ودلالاتها الفنية
يعتمد النص على عدد من العبارات المفتاحية التي تؤدي دورًا محوريًا في بناء الدلالة، سواء على مستوى الشخصية أو الرؤية الفكرية، ويمكن الوقوف عند أبرزها على النحو الآتي:
1. استشهاد دال على بناء التوقع الاجتماعي
«فلعلها تكون من نصيبه زوجة»
تكشف هذه العبارة المبكرة عن أن الرحلة لا تحمل بعدًا عائليًا فحسب، بل تُؤسَّس منذ البداية على منطق التوقع والرجاء الاجتماعي. فالزواج هنا ليس علاقة إنسانية بقدر ما هو أمل مُعلَّق على الرضا والقبول، وهو ما يفسّر لاحقًا حرص محمد المبالغ فيه على شراء الهدايا.
2. استشهاد يرمز إلى ثقل المظاهر
«وقد تجمع لديه قدر كبير من المشتريات التي كوَّمها على الرصيف حتى بدت كأنها جبل أَشَمّ راسخ على الأرض»
التشبيه بـ«الجبل الأشم» ليس وصفًا كميًا فقط، بل يحمل دلالة رمزية على ثقل المظاهر الاجتماعية وضغطها على الفرد. فالهدايا تتحول من وسيلة للتقارب إلى عبء يعيق الحركة ويُعطِّل الوصول، في إيحاء مبكر بأن المظهر قد يصير عائقًا أخلاقيًا.
3. استشهاد كاشف للمفارقة الطبقية
«نظر إلى الجبل الملقى على الأرض فزع وأسرع ولم يقف»
تكرار رفض سائقي التوكتوك الآخرين التوقف يُرسّخ صورة المنفعة البحتة التي تحكم سلوك كثيرين، ويُمهِّد دراميًا لظهور السائق المختلف الذي سيكسر هذا النسق النفعي.
4. استشهاد دال على الانقلاب القيمي
«أهذه أخلاق سائق توكتوك – قالها في نفسه – مغتبطًا بالظروف التي ساقت له سائقا كهذا»
تُعد هذه الجملة من أهم الجمل الدالة في النص، إذ تكشف عن تحيّز اجتماعي مضمر لدى الشخصية الساردة، حيث تُفصل الأخلاق عن المهنة ضمنيًا. ومن هنا تنشأ المفارقة الكبرى لاحقًا، حين يتبيّن أن صاحب هذه الأخلاق هو معلّم لغة عربية.
5. استشهاد يؤسس للاغتراب الإنساني
«فأنا لا أحيط علما بتفاصيل هذه المدينة لأني غريب ولست منها، وإنما أحضر هنا كل صباح سعيا وراء الرزق»
يحمل هذا القول بعدًا اجتماعيًا عميقًا، إذ لا يعبّر عن غربة مكانية فحسب، بل عن غربة اجتماعية وطبقية، حيث يُجبر الإنسان على التخفي خارج محيطه حفاظًا على صورته السابقة.
6. لحظة الذروة النصية (الاستشهاد المفصلي)
«كانت المفاجأة الصادمة.. إنه الأستاذ (علي توفيق) مدرس اللغة العربية الذي درّس له في المرحلة الثانوية»
هذه الجملة تمثل ذروة الصدمة السردية، وفيها ينهار التصور النمطي للمكانة الاجتماعية، ويُعاد ترتيب القيم داخل وعي البطل والقارئ معًا.
7. استشهاد دال على أخلاق الصمت والستر
«ابتلع محمد لسانه ولم يفصح للرجل عن شيء»
العبارة هنا تختزل موقفًا أخلاقيًا كاملًا، فالصمت ليس عجزًا بل فعل أخلاقي واعٍ، يعبّر عن احترام الكرامة الإنسانية، ويتماهى مع ما تربّى عليه البطل على يد أستاذه نفسه.
8. التناص الديني الصريح (خاتمة دلالية)
«ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»
يأتي هذا الحديث النبوي في موضعه الطبيعي بوصفه خاتمة مرجعية للنص، لا بوصفه وعظًا مباشرًا، بل تأكيدًا على أن القيمة التي مارسها محمد هي امتداد حيّ لما تلقّاه من معلمه، مما يحقق تماهي القول بالفعل.
خلاصة هذا المحور
تُظهر الاستشهادات أن القصة محكمة البناء دلاليًا، وأن الكاتب لم يترك عباراته اعتباطًا، بل وزّع مفاتيح المعنى عبر:
-تشبيهات رمزية
-جُمل داخلية كاشفة للتحيّز
-ذروة صادمة
-وخاتمة تناصية أخلاقية
وبذلك يكتمل التحليل النقدي على أساس النص نفسه لا الانطباع العام، وهو ما يمنح الدراسة مصداقيتها الأكاديمية.
سابعا: التناص الديني واللغوي والثقافي في قصة «سائق التوكتوك»
لا ينهض التناص في قصة سائق التوكتوك على استدعاء نصٍّ ديني صريح فحسب، بل يتبدّى في مستويات متعددة: تناص لغوي قرآني، وتناص أخلاقي نبوي، وتناص ثقافي قيمي، تتكامل جميعها في خدمة الرؤية العامة للنص.
أولًا: التناص القرآني اللغوي (العلم والإحاطة)
«فإني لا أحيط علما بتفاصيل هذه المدينة»
هذه العبارة تحيل دلاليًا إلى البنية القرآنية المتكررة المرتبطة بـ نفي الإحاطة بالعلم، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
(البقرة: 255)
كما تذكّر بصيغ قرآنية أخرى تقوم على الاعتراف بحدود المعرفة البشرية، وهو ما يمنح العبارة بعدًا تواضعيًا معرفيًا، يتسق مع شخصية الأستاذ الذي يقبل وضعه دون ادّعاء أو تبرير.
وهنا لا يُستخدم التناص للزينة، بل ليؤسس لفكرة أن الجهل بالمكان ليس نقصًا، بل اعتراف إنساني مشروع.
ثانيًا: التناص مع خطاب الغربة والسعي للرزق
«وإنما أحضر هنا كل صباح سعيًا وراء الرزق ثم أعود في الليل إلى بلدي وبيتي»
تحمل هذه العبارة تناصًا دلاليًا مع الخطاب القرآني المتكرر حول السعي في الأرض طلبًا للرزق، كما في قوله تعالى:
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾
(الملك: 15)
وهو تناص يعمّق صورة الأستاذ بوصفه عاملًا شريفًا في كدّه، لا متسولًا ولا مستسلمًا، ويكسر النظرة الطبقية التي تربط الرزق بالمنصب لا بالجهد.
ثالثًا: التناص مع مفهوم الغربة في الوعي الديني
«لأني غريب ولست منها»
تحيل كلمة غريب إلى حقل دلالي واسع في الثقافة الإسلامية، يتصل بالحديث النبوي:
«بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا»
وإن لم يُذكر النص صراحة، إلا أن الدلالة تستدعي صورة الغريب الشريف الذي يحافظ على قيمه رغم غربته، وهو ما ينطبق على الأستاذ الذي اختار الغربة حفاظًا على كرامته الاجتماعية.
رابعًا: التناص الأخلاقي التربوي (جبر الخواطر وكتمان الأسرار)
«فالرجل قد ربَّانا في حصص التربية الدينية على الفضيلة وحسن الأخلاق وجبر الخواطر وكتمان الأسرار»
هذه العبارة تُحيل إلى منظومة أخلاقية إسلامية متكاملة، ذات جذور حديثية وفقهية، من قبيل:
«من فرّج عن مسلم كربة…»
«المجالس بالأمانة»
ويأتي هذا التناص ليؤكد أن الموقف الأخلاقي في النهاية ليس وليد اللحظة، بل ثمرة تربية طويلة مارسها المعلّم قولًا وفعلًا.
خامسًا: التناص النبوي الصريح (الستر)
«ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»
هذا التناص هو الذروة القيمية للنص، ويعمل بوصفه:
مرجعية دينية
وخاتمة أخلاقية
وتبريرًا داخليًا للصمت
ويُحسب للكاتب أنه لم يجعله خطابًا مباشرًا، بل استدعاءً داخليًا واعيًا في لحظة اختبار أخلاقي حقيقي.
سادسًا: التناص الثقافي الاجتماعي (صورة المعلّم)
ظهور الأستاذ سائقًا للتوكتوك يتناص ضمنيًا مع خطاب انهيار مكانة المعلّم في الثقافة العربية المعاصرة، وهو خطاب حاضر في الأدب الحديث دون تصريح، حيث يصبح المعلّم رمزًا للمعرفة المهمّشة، لا للسلطة المعرفية.
تناص خاص: «لم أُحِطْ به علمًا» بين سائق التوكتوك وقصة موسى والخضر
يبرز في قصة سائق التوكتوك موضع تناصي بالغ الدقة مع قصة موسى والخضر في سورة الكهف، من خلال العبارة التالية:
«فإني لا أحيط علما بتفاصيل هذه المدينة»
وهي عبارة تستدعي على الفور قول الخضر لموسى عليه السلام:
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾
(سورة الكهف: 68)
وكذلك قوله تعالى:
﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
(الكهف: 78)
الدلالة السردية لهذا التناص
في قصة موسى والخضر، لا تكون المشكلة في نقص الإيمان، بل في حدود المعرفة الإنسانية أمام حكمة أوسع.
وهذا المعنى نفسه يُستعاد سرديًا في القصة، حيث يعترف السائق (الأستاذ) بعدم إحاطته بتفاصيل المدينة، لا بوصفه جهلًا سلبيًا، بل تواضعًا معرفيًا مشروعًا.
فكما كان موسى نبيًا ومع ذلك لم يُحِط بخبر أفعال الخضر، فإن الأستاذ ـ رغم علمه ومكانته ـ لا يدّعي الإحاطة بكل شيء، وهو ما يضفي على الشخصية بعدًا أخلاقيًا وفلسفيًا.
مفارقة المعرفة والمكانة
في التناص القرآني:
موسى = صاحب مقام عالٍ
الخضر = صاحب معرفة مخصوصة
وفي القصة:
الأستاذ = صاحب علم وتعليم
المدينة/الواقع = مجال معرفة ناقصة
وبذلك يُعاد إنتاج سؤال «من يملك المعرفة؟» داخل سياق اجتماعي معاصر، حيث لا تحمي الشهادة العلمية صاحبها من الحاجة أو الغربة.
البعد الأخلاقي للتناص
كما تعلّم موسى من الخضر درس التواضع والصبر، يتعلّم محمد في القصة درسًا مشابهًا:
عدم الحكم بالمظاهر
قبول حدود المعرفة
احترام كرامة الآخر
وهذا يفسّر انتقال القصة من دهشة المفاجأة إلى فضيلة الستر في الخاتمة.
الفرق الدلالي المقصود
الكاتب لا يعيد إنتاج القصة القرآنية، بل:
يستعير العبارة الجوهرية
ويُسقِطها على واقع اجتماعي
دون ادّعاء رمزية مباشرة أو إسقاط وعظي
وهو ما يُحسب له فنيًا، لأن التناص هنا إيحائي لا تقريري.
خلاصة محور التناص
التناص في القصة:
متعدد المستويات (قرآني – نبوي – أخلاقي – ثقافي)
غير استعراضي، بل مدمج في النسيج السردي
ويُسهم في تعميق المفارقة بين القيم الثابتة والواقع المتحوّل
والتناص مع قصة موسى والخضر:
هو أقرب وأدقّ تناص قرآني في النص
يمنح العبارة البسيطة عمقًا معرفيًا
ويجعل من «سائق التوكتوك» نصًا يتجاوز الواقعة إلى سؤال إنساني كوني:
هل نملك حق الحكم إذا كنا لم نُحِط بالواقع علمًا؟
وبذلك يتبيّن أن النص لا يكتفي بحكاية واقعية، بل يشتبك مع مرجعيات ثقافية ودينية راسخة تمنحه عمقه الإنساني.
ثامنا : مقارنة نصية مع نماذج سردية عربية مشابهة :
1. قصة «أرخص ليالي» – يوسف إدريس
في عدد من قصص يوسف إدريس، ولا سيما «أرخص ليالي»، يتكرر نموذج الإنسان البسيط صاحب القيمة الأخلاقية العالية الذي يسحقه الفقر دون أن يفقد إنسانيته.
غير أن الفرق الجوهري أن يوسف إدريس يركّز على الهامشي بوصفه قدرًا طبقيًا أصيلًا، بينما في «سائق التوكتوك» نحن أمام سقوط من أعلى إلى أسفل: معلّم → عامل نقل هامشي.
في قصة الجزار، لا يولد الأستاذ مهمشًا، بل يُدفَع إلى الهامش.
وهنا تصبح المأساة أكثر حدّة، لأن الشخصية تحمل ذاكرة مكانة سابقة، وهو ما لا نجده عادة عند إدريس الذي ينطلق من قاع المجتمع.
2. قصص محمود تيمور (الإنسان والوظيفة)
عند محمود تيمور، خاصة في قصصه الواقعية الاجتماعية، نجد اهتمامًا بـ الوظيفة بوصفها هوية، وبالانضباط الاجتماعي المرتبط بها.
لكن عالم تيمور ما زال يحتفظ بقدر من الانسجام بين الدور الاجتماعي والقيمة الرمزية.
في المقابل، تقطع قصة «سائق التوكتوك» هذا الانسجام:
المعلّم يؤدي دورًا اجتماعيًا عالي القيمة
لكن المجتمع لا يمنحه ما يوازي هذا الدور
وهذا الفرق يكشف تحولًا تاريخيًا في السرد العربي:
من سرد مجتمع يسعى إلى الاستقرار → إلى سرد مجتمع ينهار فيه التوازن بين الجهد والقيمة.
3. محمد المخزنجي (الوعي الأخلاقي الصامت)
يتقاطع نص الجزار مع عالم محمد المخزنجي في:
الاعتماد على اللحظة الكاشفة
تقديم التحول الداخلي للشخصية دون خطاب مباشر
الاحتفاء بالفعل الأخلاقي الصامت (الصمت – الستر – عدم الفضيحة)
غير أن المخزنجي غالبًا ما يشتغل على الدهشة الفلسفية أو العلمية، بينما هنا نحن أمام دهشة اجتماعية أخلاقية نابعة من تصدع البنية الطبقية نفسها.
خلاصة المقارنة
قصة «سائق التوكتوك» تقف:
-أقرب إلى يوسف إدريس في واقعيّتها
-وأبعد عنه في بنية السقوط الطبقي
-وتلتقي مع المخزنجي في أخلاقية الصمت
-لكنها تنفرد بكون المعلّم هو مركز الصدمة
تاسعا: تعميق البعد السوسيولوجي لوضع المعلّم في السرد العربي المعاصر :
1. المعلّم: من رأس المال الرمزي إلى الهشاشة
في الوعي العربي التقليدي، كان المعلّم يمتلك:
-رأس مال معرفي
-ورأس مال رمزي (الهيبة، الاحترام)
ولهذا لم يكن غريبًا أن:
يمتلك المعلّم سيارة، أو يؤجرها، أو يسترزق منها دون مساس بكرامته
فالسيارة كانت:
-رمز حداثة
-وامتدادًا لمكانته
-ونشاطًا اقتصاديًا مقبولًا اجتماعيًا
2. التحول من السيارة إلى التوكتوك: دلالة لا تفصيل
الانتقال في القصة من السيارة (الماضي الضمني) إلى التوكتوك (الحاضر الصادم) ليس تفصيلًا عابرًا، بل يحمل دلالات خطيرة:
التوكتوك في الوعي الاجتماعي:
-وسيلة نقل هامشية
-مرتبطة بالفوضى
-خارج التنظيم المؤسسي
-بلا غطاء قانوني أو نقابي حقيقي
وبالتالي:
تحوّل المعلّم إلى سائق توكتوك يعني تحوّله من رمز النظام إلى رمز الفوضى الاجتماعية.
وهنا تكمن قسوة المفارقة.
3. العمل في مدينة أخرى: ستر اجتماعي لا اختيار حر
قول السائق:
«أحضر هنا كل صباح سعيًا وراء الرزق ثم أعود في الليل إلى بلدي»
يحمل دلالة سوسيولوجية واضحة:
-ليس اغترابًا اقتصاديًا فقط
-بل اغترابًا رمزيًا
-ومحاولة واعية لإخفاء الانكسار
وهذا يعبّر عن:
انتقال العار من الفقر ذاته إلى ظهوره العلني.
4. الصمت بوصفه مقاومة اجتماعية
قرار محمد:
«ابتلع محمد لسانه ولم يفصح للرجل عن شيء»
ليس مجرد تصرّف أخلاقي فردي، بل:
فعل مقاومة رمزية
-رفض لإعادة إنتاج الفضيحة
-ووعي بأن كشف الهوية سيكون عنفًا اجتماعيًا
وبذلك يتحول الطالب إلى حارس كرامة المعلّم، في انقلاب رمزي مؤلم:
المجتمع خذل المعلّم، فتولّى الفرد حمايته.
خلاصة البعدين معًا
تكشف قصة «سائق التوكتوك» أن:
المعلّم في السرد العربي المعاصر لم يعد رمزًا للسلطة المعرفية
بل صار علامة على فشل السياسات الاجتماعية
وأن التحول من السيارة إلى التوكتوك هو تحول من الكرامة المستورة إلى الهشاشة الفاضحة
وهو ما يمنح القصة قيمة توثيقية أخلاقية إلى جانب قيمتها الفنية.
ملاحظات نقدية اخيرة:
ما للقصة
-فكرة إنسانية واضحة ومؤثرة.
-مفارقة ناجحة وبناء محكم.
-نهاية أخلاقية غير خطابية.
-شخصية رمزية قوية (المعلّم).
وما عليها (دون تقليل من قيمة العمل)
الميل أحيانًا إلى الشرح المباشر بدل الإيحاء.
إمكانية تعميق البعد النفسي للأستاذ عبر لحظة داخلية قصيرة.
لو خُفِّفت بعض التراكيب الوصفية في البداية لزاد الإيقاع.
خاتمة
تنجح قصة «سائق التوكتوك» في تقديم نموذج سردي بسيط في شكله، عميق في دلالته، يلامس جرحًا اجتماعيًا حقيقيًا، ويعيد الاعتبار للقيمة الأخلاقية بوصفها المعيار الأسمى للإنسان، لا موقعه ولا مهنته. إنها قصة عن الستر، والخذلان الاجتماعي، ونبل الصمت، تُحسب لكاتبها محمد نجيب الجزار ضمن نصوص الوعي الاجتماعي الهادئ.
—–
ملحق القصة
( سائق التوكتوك)
محمد نجيب الجزار
… سافر محمد إلى إحدى المدن الصغيرة لزيارة أخواله المقيمين فيها والتي تبعد عن مدينته بعضا من الكيلومترات ، ولتكون فرصة ليرى ابنة خاله التي حدثته أمه كثيرا عنها ، فلعلها تكون من نصيبه زوجة ، وقد ابتاع بعض الهدايا من الفاكهة والتحف ليدخل بها على أقاربه الذين لم يتشرف بزيارتهم منذ زمن طويل وقد كانت فتاته هذه صغيرة لايذكر لها الآن معالم إلا مااستقر في خياله من خلال حديث أمه المستفيض عنها .
.. وحتي يحوز الرضا ويقع منهم ومنها موقع القبول طاف على كثير من المحلات ليشتري ماحلا وغلا من السلع لتكون هدية لآل خاله وخصوصا ابنة خاله ، وقد تجمع لديه قدر كبير من المشتريات التي كوَّمها على الرصيف حتى بدت كأنها جبل أَشَمّ راسخ على الأرض ينتظر ( توكتوك ) ليوصله إلى المكان المراد ، حيث لايوجد في هذه المدينة ( تاكسي )
… كلما مر به ( توكتوك ) أشار له بالوقوف ، فإذا أبطأ السائق تمهيدا للوقوف نظر إلى الجبل الملقى على الأرض فزع وأسرع ولم يقف … وهكذا حتى بلغ به اليأس مبلغه ، وفي لحظة يأس وقنوط مر به ( توكتوك ) فهَمَّ أن يشير إليه إشارة اليائس الضَّجِر ، وقبل أن يشير إليه كانت المفاجأة ، جَنَح السائق نحو الرصيف وتوقف أمام جبل المشتريات ، ثم نزل وقال تفضل ياأستاذ وأقبل على تل البضائع ينقله داخل ( التوكتوك ) ومحمد يكتفي بمساعدة السائق ويتعجب من لطيف أخلاقه وحميد سلوكه وعذب كلامه ، أهذه أخلاق سائق توكتوك ـ قالها في نفسه ـ مغتبطا بالظروف التي ساقت له سائقا كهذا . ولما فرغ السائق من حمل الأمتعة ورفعها داخل ( التوكتوك ) أفسح لمحمد مكانا إلى جواره وقد اصطف جبل المشتريات على المقعد الخلفي .
… جلس محمد إلى جوار السائق يريد أن يُقَبَّله لحُسن أخلاقه ، ولما أخذ السائق سرعته ذكَر له محمد العنوان المراد الوصول إليه .
قال له السائق دُلَّني على الطريق فإني لااستطيع الوصول عن طريق ذكر العنوان فقط ، فأنا لاأحيط علما بتفاصيل هذه المدينة لأني غريب ولست منها ، وإنما أحضر هنا كل صباح سعيا وراء الرزق ثم أعود في الليل إلى بلدي وبيتي .
… هَمَّ محمد أن يسأله عن بلده وهو يتجاذب معه أطراف الحديث والرجل يذكر له ضيق العيش وصعوبة الحياة ، فألفى صوته أليفا على مسامعه كأنه سمِعَهُ من قبل كثيرا .
التفت محمد إلى جهة اليسار حيث يجلس السائق وحَمْلَق في وجهه فكانت المفاجأة الصادمة .. إنه الأستاذ ( علي توفيق ) مدرس اللغة العربية الذي دَرَّسَ له في المرحلة الثانوية .. ولابد أن معاشه غير كافٍ للإضطلاع بتبعات الحياة فخرج يبحث عن الرزق في بلدة أخري حتى لايراه أحد من أهله أو جيرانه أو تلامذته ـ هكذا قال في نفسه ـ لله دَرُّه
… ابتلع محمد لسانه ولم يفصح للرجل عن شئ ولم يُظْهِر له معرفته به ولا تَتَلْمُذه على يديه ، فالرجل قد ربِّاهم في حِصَص التربية الدينية على الفضيلة وحسن الأخلاق وجَبْر الخواطر ، وكِتمان الأسرار .
وراح يردِّد في نفسه قول الرسول [ ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ]
محمد نجيب الجزار – المحلة الكبرى