الموازنة العامة بين الحق الخاص والمصلحة العامة

 

 

إعداد ـ التآخي

 

العلاقة بين الحق الخاص (حق الفرد) والمصلحة العامة (مصلحة المجموع) هي علاقة “شد وجذب” دائمة، تظهر بوضوح شديد عند إعداد وتنفيذ موازنات الدول. و ​في المبدأ القانوني، لا يتواجد حق مطلق، حتى حق الملكية الخاصة أو الحرية الشخصية، ينتهي عندما يبدأ بتهديد كيان المجتمع أو مصلحته العليا.

​ان الحق الخاص، هو امتياز يمنحه القانون للفرد لحماية مصلحة ذاتية (مثل حق التملك، حق العمل، حق الخصوصية)، اما ​المصلحة العامة فهي مجموع المصالح التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار، الأمن، الرفاهية، والعدالة لعموم السكان (مثل بناء المستشفيات، تعزيز الدفاع، سداد الديون السيادية).

​القاعدة الذهبية: المصلحة العامة تُقدم على المصلحة الخاصة عند التعارض، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى سحق الحق الخاص أو إهداره من دون تعويض.

​و​موازنة الدولة هي الأداة التي تترجم فيها المصلحة العامة إلى أرقام، وهنا يحدث التصادم بنشوء ​الضرائب: الدولة بحاجة لتمويل الموازنة (مصلحة عامة)، وهذا يقتطع من ثروة الأفراد (حق خاص في الملكية)، كما ان ​ تنفيذ مشروعات البنية التحتية الواردة في الموازنة (طرق، جسور) قد يتطلب انتزاع أراضٍ مملوكة لأفراد.

​ولضبط عجز الموازنة، قد تلجأ الدولة لتقليص الدعم أو الرواتب “التقشف”، مما يمس الحقوق المكتسبة للأفراد.

​فكيف يجري التغلب على التضارب؟ ​للتغلب على هذا التضارب من دون السقوط في الاستبداد، تعتمد الدول الحديثة والقضاء الدستوري على أربعة معايير أساسية: معيار “الضرورة القصوىفلا يجوز المساس بالحق الخاص بذريعة المصلحة العامة إلا إذا كان هذا المساس هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الهدف. إذا كان هناك طريق بديل للمشروع العام لا يمر عبر أرض المواطن، تلتزم الدولة به.

 

​ثانيا معيار “التناسب، ​وهو أهم أداة قضائية. يجب أن يكون الضرر الواقع على الفرد متناسبا مع المنفعة التي ستعود على المجتمع. لا يصح فرض ضريبة تستهلك كامل دخل الفرد بذريعة سد عجز الموازنة، لأن ذلك “يعدم” الحق الخاص بدلا من “تنظيمه.

​ثالثا، معيار “التعويض العادل والمسبق) و ​هذا هو الجسر الذي يربط بين الحقين. عندما تقتضي المصلحة العامة (المدرجة في الموازنة) التضحية بحق خاص، يجب على الدولة أن تدفع ثمنا عادلا.

​في الموازنة: يجب رصد مخصصات مالية كافية للتعويضات، بحيث لا يُضار الفرد ماليا من أجل نفع المجموع.

​اما المعيار الرابع فيتمثل في “المساواة أمام الأعباء العامة”، اذ ​لا يجوز أن يتحمل فرد واحد أو فئة محددة عبء المصلحة العامة من دون غيرهم. إذا قررت الدولة بناء سد يخدم الملايين، لا يجوز أن يتحمل أصحاب الأراضي المجاورة الخسارة وحدهم؛ بل يجب أن تسهم “خزينة الدولة” (التي يمولها الجميع) في تعويضهم، ليصبح العبء موزعا على الكل.

​​عندما تُقر الموازنة العامة، يراقب القضاء الدستوري النصوص الضريبية أو نصوص نزع الملكية لضمان عدم المصادرة المقنعة، أي أن تكون الضرائب ليست مرتفعة لدرجة أنها تعد مصادرة للملكية.

​ويجب التأكد من أن بنود الموازنة توفر “الحد الأدنى” من الحقوق الاجتماعية (صحة، تعليم) لعموم السكان، بصفتها مصلحة عامة لا يجوز التنازل عنها.

ان ​التغلب على التضارب لا يعني “إلغاء” طرف للآخر، بل يعني “توزيع التضحية”، فالدولة تأخذ جزءا من حق الفرد (ضريبة أو ملكية) لتعيد تدويره في شكل خدمات (أمن، صحة، طرق) يستفيد منها الفرد نفسه كعضو في المجتمع.

​ويكمن النجاح في موازنة الدولة في “الشفافية”؛ فكلما عرف المواطن أين تُصرف أمواله (المصلحة العامة)، كان أكثر قبولا للتضحية بجزء من حقه الخاص.

حماية الحق العام والخاص في التجارب

 

ان الامثلة الواقعية والمبادئ القضائية التي استقرت عليها كبرى المحاكم الدستورية (مثل المحكمة الدستورية العليا في مصر، أو المحاكم الدستورية في الدول العربية والأوروبية)، توضح كيف يتدخل القاضي عندما تميل كفة “المصلحة العامة” لتسحق “الحق الخاص .

قضية قوانين الإيجار القديم، ​تعد هذه من أشهر الأمثلة في العالم العربي (مصر انموذجا) على حماية المصلحة العامة، اذ سعت الدولة لحماية المستأجرين من التشرد وضمان استقرار اجتماعي عبر تثبيت الإيجارات لسنوات طويلة.

​والحق الخاص تمثل في ان المُلّاك وجدوا أنفسهم يمتلكون عقارات لا تدر عائدا يذكر، مما أهدر حق الملكية.

​ قضت المحاكم الدستورية بأن “تأبيد” عقد الإيجار (جعله بلا نهاية) وتثبيت القيمة الإيجارية بشكل جامد هو عدوان على حق الملكية. وألزمت المشرّع بوضع قوانين توازن بين حق المستأجر في السكن وحق المالك في استغلال ملكه بعدالة.

​في موازنات الدول، قد يميل البرلمان لفرض ضرائب مرتفعة جدا لسد العجز، و ​المصلحة العامة تستوجب تمويل الخدمات العامة والإنفاق الحكومي، فالحق الخاص يبرز في حماية ثروة الفرد من الاستنزاف.

​واستقرت المحاكم على أن الضريبة إذا وصلت إلى درجة “الاستغراق” (أي أنها تأكل أصل المال أو تحرم الفرد من كل ربحه)، فإنها تتحول من “ضريبة” إلى “مصادرة مقنّعة.

​بالنتيجة، جرى إلغاء نصوص ضريبية في عدة دول لأنها لم تترك للفرد ما يكفي لحياة كريمة، عادة أن الموازنة لا يجب أن تُبنى على “إعدام” ثروات الأفراد.

وقد يجري ترشيد الانفاق، فأحيانا، ولمواجهة أزمات اقتصادية، تضع الدولة في موازنتها قوانين تلغي مكافآت أو مزايا مالية كان الموظفون قد استحقوها بالفعل، و ​المصلحة العامة تستوجب خفض الإنفاق الحكومي ومنع الانهيار المالي للدولة.

​اما الحق الخاص فهو “الحق المكتسب” للموظف في مستحقاته المالية عن عمل سابق؛ و ​ غالبا ما تقضي المحاكم بعدم دستورية القوانين التي تمس حقوقا “استقرت” بـأثر رجعي. القضاء يقول للدولة: “يمكنك تغيير القواعد للمستقبل، لكن لا يمكنك أخذ ما دخل بالفعل في الذمة المالية للمواطن لسد عجز موازنتك”.

 

 

​​عندما ينظر القاضي الدستوري في التضارب، فإنه يطبق مخططا ذهنيا يسمى “اختبار التناسب، ​ هل الإجراء (مثل الضريبة الجديدة) يخدم هدفا عاما حقيقيا؟ و ​ هل هذه الوسيلة ستحقق فعلا ذلك الهدف؟ و​ هل هناك وسيلة أخرى أقل ضررا بالحقوق الخاصة لتحقيق الهدف نفسه؟ و ​ هل ان المنفعة التي سيجنيها المجتمع أكبر من الضرر الذي سيلحق بالفرد؟

​وحصيلة ذلك، ان نزع الملكية والاستيلاء على الأرض للمنفعة العامة يتطلب إلزام الدولة بالتعويض العادل والمسبق، وفيما يتعلق بالضرائب، فان فرض رسوم تعجيزية للسداد يستدعي إلغاء الضريبة إذا كانت مصادرة لأصل المال، ويتوجب عدم قطع الدعم فجأة عن الفقراء وإلزام الدولة بضمان الحد الأدنى للعيش الكريم، كما يستلزم الامر عدم تخفيض الرواتب بأثر رجعي حماية للمراكز القانونية المستقرة للأفراد.

إن هذا الدور الذي يقوم به القضاء هو ما يحول بين الدولة وبين أن تصبح “تاجرا” يسلب حقوق مواطنيه بدعوى الصالح العام، وهو الضامن لاستقرار الاستثمار والثقة في النظام الاقتصادي.

جذب الاستثمار الأجنبي بصفته حقا اقتصاديا

إن ربط القضاء والدستور بجذب الاستثمار الأجنبي هو انتقال من “النظرية القانونية” إلى “الواقع الاقتصادي التنافسي”، فالمستثمر الأجنبي لا يبحث فقط عن الربح، بل يبحث أولا عن “الأمان القانوني” و “ثبات المراكز.

​ان ​أكبر عدو للاستثمار هو “الغموض” أو “التقلب التشريعي”. المستثمر يضع خطة لـ 20 عاما، فإذا تغيرت القوانين فجأة في الموازنة المقبلة، يهرب رأس المال. ​ القضاء الدستوري، يمنع الدولة من تعديل القوانين بشكل مفاجئ أو تعسفي يضر بالاستثمارات القائمة؛ هو يرسخ مبدأ “عدم رجعية القوانين”، مما يعطي المستثمر ثقة بأن “قواعد اللعبة” لن تتغير بعد أن بدأ مشروعه.

​المستثمر لا يخشى فقط أن تأخذ الدولة مصنعه بالقوة (مصادرة مباشرة) ، بل يخشى ما يسمى “المصادرة الزاحفة و ​المصادرة الزاحفة، هي قوانين أو ضرائب تجعل الربح مستحيلا، مما يضطر المستثمر للمغادرة.

​ يراقب القضاء التشريعات الاقتصادية والضريبية، وإذا وجد أنها “تخنق” النشاط الاقتصادي لدرجة تفقد الملكية قيمتها، فإنه يحكم بعدم دستوريتها، عادا إياها مصادرة مقنعة تتطلب تعويضا.

​يخشى المستثمر الأجنبي من “المحاباة” للشركات المحلية أو الشركات التابعة للدولة، و يضمن القضاء الدستوري عدم تواجد تمييز غير مسوغ في القوانين الاقتصادية؛ فالمساواة أمام الأعباء العامة (كالضرائب) وأمام الامتيازات (كالحوافز الاستثمارية) هي قاعدة دستورية تجعل المستثمر الأجنبي يشعر بأنه محمي بالنظام القانوني الوطني تماما كالمواطن.

​عندما تصدر المحكمة الدستورية حكما ضد الحكومة ولصالح شركة أو فرد في قضية مالية، فإن هذا الحكم يُرسل إشارة قوية جدا للعالم: تواجد ​استقلال للقضاء: يثبت ذلك أن القضاء مستقل ولا يتبع السلطة التنفيذية، و يثبت أن “كلمة القانون” تعلو فوق “رغبة الإدارة.

​هذه الأحكام ترفع تصنيف الدولة في مؤشرات “سهولة ممارسة الأعمال” وتخفض “مخاطر الدولة لدى مؤسسات التصنيف الائتماني.

​للموازنة الصعبة بين حقوق المستثمر وحق الدولة في التطوير، ​هنا تظهر براعة القضاء الدستوري؛ فالدولة أحيانا بها حاجة لتغيير قوانينها (لأسباب بيئية، صحية، أو اجتماعية). فكيف نوازن؟

​يحدث ذلك بمبدأ التوقعات المشروعة، فيحمي القضاء المستثمر، إذا كان تغيير القانون يضرب “توقعات مشروعة” بُني عليها الاستثمار، ويحدث أيضا بالتعويض عن التغيير الجوهري، فإذا كانت المصلحة العامة تقتضي فعلا تغيير القانون (مثل فرض معايير بيئية صارمة جدا)، يتدخل القضاء لضمان تواجد مراحل انتقالية أو تعويضات عادلة للمتضررين.

​ان أثر أحكام القضاء الدستوري على المستثمر يتمثل في تدخل الإجراء الحكومي لتجنب الأثر السلبي على الاستثمار الأجنبي مثل فرض ضريبة مفاجئة بأثر رجعي فيلغى القانون لمخالفته “الأمن القانوني” وبذلك تزيد الثقة، اذ ان المستثمر يطمئن على أرباحه السابقة.

ان تفضيل شركة محلية في عطاء عام يوجب تدخل القضاء بإلغاء الإجراء لمخالفته مبدأ “المساواة” وعدالة المنافسة، ومنع تشجيع دخول شركات عالمية جديدة، كما ان تأميم قطاع معين من دون تعويض يستدعي الحكم بوجوب التعويض العادل والمسبق، لضمان الأصول وحماية رأس المال من التلاشي.

أي ان الأدوار تتداخل بين القضاء الدستوري، والحقوق بشتى أنواعها، والمصلحة العامة، فينعكس ذلك كله على واقع الدولة الاقتصادي والاجتماعي، وبنتيجة ذلك يبرز القضاء كحارس للعقد الاجتماعي والتوازن التنموي ويكون   الدستور عقدا للحياة.

​ الدستور لا يمثل مجرد نصوص قانونية صماء، بل هو “الخريطة الجينية” للمجتمع. القضاء الدستوري هو “الطبيب” الذي يتدخل لضمان عدم حدوث طفرات تشريعية تضر بجسم الدولة أو تمس حقوق أفرادها.

وضمانات الحماية ثلاث (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية) وهي للمصلحة العامة والخاصة؛ البعد السياسي يتمثل في حماية حرية الإرادة، نزاهة الانتخابات، وحق التنظيم. ضمان انتقال سلمي للسلطة ومشاركة شعبية حقيقية.

الحماية الاجتماعية تكفل الحد الأدنى من الكرامة (صحة، تعليم، وضع معيشي جيد) ومنع التراجع عنها، وحماية الفئات الهشة وضمان السلم المجتمعي.

اما الجانب الاقتصادي للحماية فهو حماية الملكية الخاصة، حرية التعاقد، ومنع المصادرة التعسفية وخلق بيئة مستقرة للأعمال وحماية الثروة الفردية.

أي ان الجمع بين الحق الخاص والمصلحة العامة، امر تعد فيه الموازنة العامة ​ “ميزان الذهب” في يد القاضي الدستوري، وتحل التضاربات عبر اختبار التناسب الرباعي: ​المشروعية، هل الإجراء يهدف لمصلحة حقيقية للجمهور؟ ​الضرورة: هل هذا هو الخيار الأقل إيلاما للحقوق الخاصة؟ ​التناسب: هل النفع العام المحقق أكبر من الضرر الفردي الواقع؟ ​التعويض: في حال التضحية بالحق الخاص، هل هناك جبر للضرر (تعويض عادل)؟

و​لا يكتفي القضاء الدستوري بحماية حقوق السكان، بل يمتد أثره ليكون “شهادة ضمان” للمستثمر الدولي بوساطة ​الأمن القانوني: ضمان عدم تغير “قواعد اللعبة” الاقتصادية بأثر رجعي، و ​مكافحة التمييز: ضمان معاملة المستثمر الأجنبي بعدالة ومساواة مع الشركات الوطنية.

​وان الحماية من المصادرة المقنعة تتضمن الرقابة على الضرائب واللوائح لضمان عدم تحولها إلى أداة لسلب الأصول.

خلاصة القول، ان الاستقرار التشريعي هو مفتاح الرفاه، و ​إن الدولة التي تتمتع بقضاء دستوري قوي ومستقل هي دولة قادرة على تحقيق معادلة “النمو مع العدالة”؛ فالمستثمر يطمئن على أمواله، والمواطن يطمئن على حقوقه، والدولة تضمن تنفيذ موازنتها ومشاريعها تحت مظلة القانون وليس فوقه.

​ إن وعي السكان بحقوقهم الدستورية هو “المحرك” الذي يُفّعل دور القضاء؛ فالمحكمة لا تتحرك من تلقاء نفسها، بل بناء على دعاوى يرفعها أفراد أو مؤسسات تشعر بانتهاك حقوقها.

قد يعجبك ايضا