إعداد – التآخي
الوجود يسبق الماهية، هذا المبدأ هو حجر الزاوية في فهم العلاقة بين المصير والحرية في الفلسفة الوجودية، لا سيما لدى الفيلسوف والاديب جان بول سارتر. الماهية هي التعريف، أو الوظيفة، أو الهدف المسبق للشيء (مثلا، ماهية السكين هي القطع). اما الوجود فهو الواقع الفعلي والعيش والتواجد.
المبدأ الوجودي يرى ان الإنسان يُقذف به إلى العالم أولا (يوجد)، ثم هو من يحدد ماهيته ومعناه عن طريق أفعاله وخياراته، وهو ينفي تواجد “مصير” أو خطة إلهية أو طبيعة بشرية ثابتة تحدد ما يجب أن تكون عليه: أنت حُرّ، وبالنتيجة أنت مسؤول كليا عن نفسك.
في الفلسفة الوجودية، لا يُنظر إلى الحرية على أنها مجرد إمكانية للاختيار، بل هي مصدر قلق وشعور بالمسؤولية الكونية، و بما أن لا شيء يحددني مسبقا، فإنني مُدان بأن أكون حرا (كما يقول سارتر). هذه الحرية ليست هدية، بل هي عبء، و المصير الشخصي هو مجموع الخيارات التي اتخذتها والتي سأتخذها. أنا هو مصيري، ولا يمكنني إلقاء اللوم على الظروف أو “الطبيعة البشرية”.
وعندما أختار لنفسي، فإنني أختار للإنسانية جمعاء، لأنني أحدد في اختياري ما هو “الإنسان” بالنسبة لي، هذا يؤدي إلى القلق الوجودي اي الشعور بالمسؤولية الهائلة تجاه جميع البشرية عند اتخاذ أي قرار، مثال: إذا اخترت أن أكون جبانا، فأنا أقول ضمنا إن الجبن هو خيار إنساني مقبول.
اما معضلة “العالم الذي لا يحمل معنى مسبقا”، فهذا الجزء طرحه المفكر والاديب ألبير كامو بالتركيز على مفهوم العبث، و هو الاصطدام بين رغبة الإنسان الفطرية في إيجاد معنى ونظام في العالم، وبين صمت العالم وغيابه عن تقديم أي إجابات مسبقة، وبقولهم ان العالم لا “يوجد” ليحدد مصيري؛ هو ببساطة موجود ولا يهتم بوجودي أو موتي.
والاستجابة للعبث تكون بالكفاح، بدلا من الهرب أو الانتحار، يجب على الإنسان أن يتقبل العبث وأن يستمد حريته ومصيره من هذا التحدي، وعندما لا يوجد معنى أعلى أو هدف نهائي، تصبح الأفعال الإنسانية (مثل التمرد، والإبداع، والحب) هي المعاني الوحيدة التي يمكننا خلقها والمسؤولية عنها. أنا مسؤول عن تبرير وجودي بوساطة أفعالي العابثة في عالم عابث.

يشير سارتر إلى أن محاولة الهرب من الحرية والمسؤولية هي ما يسميه “سوء النية”، وآلية سوء النية (الهرب) تتضمن التفسير الوجودي (المسؤولية): “هكذا خلقتُ” (أو “طبيعتي كذا”) وان “الظروف هي التي أجبرتني” وإنكار أنني أملك حرية اختيار رد فعلي على الظروف.
أي ان المصير ليس قوة خارجية، بل هو القفص الذي يصنعه الإنسان لنفسه عندما يُقنع نفسه بأنه ليس حُرا. الإقرار بالحرية المطلقة هو الإقرار بالمسؤولية المطلقة عن المصير.
اما العبث في فلسفة كامو فليس مجرد شعور باليأس، بل هو مواجهة فلسفية بين طلبين متعارضين، فالعبث ليس موجودا في الإنسان وحده، ولا في العالم وحده، بل هو يكمن في الاصطدام بينهما، بطلب الإنسان: الرغبة الملحة والعقلانية في إيجاد الوحدة، الوضوح، والمعنى الأبدي (سواء كان إلهيا أو طبيعيا) لوجوده، و رد العالم يكون بالصمت الأبدي وعدم عقلانيته، فالعالم لا يقدم أي إجابة، ولا يمتلك غاية، ولا يبالي بمعاناة الإنسان.
أي ان العبث هو الطلاق بين الإنسان والعالم، كما في أسطورة سيزيف: الجهد (السعي للمعنى) في مواجهة اللامبالاة الكونية (صخرة تتهاوى باستمرار).
يرى كامو أن أمام الإنسان ثلاث استجابات رئيسة للعبث، اثنتان منها هرب، وواحدة هي موقف المسؤولية والحرية: الموقف الوجودي السبب لكونه هربا، والانتحار الجسدي إنهاء الحياة لإنهاء الصراع. يلغي ذلك الوجود، وبالنتيجة يلغي الصراع (العبث) نفسه.
وبرأي الوجوديين فان القفزة الإيمانية أي اللجوء إلى نظام ديني أو فلسفي مُطلق لإضفاء معنى على العالم (مثل الوجودية الدينية)، تلغي العبث عن طريق قمع العقل والإيمان بمعنى يفوق العقل، على حد وصفهم.
التمرد في الفكر الوجودي
برأيهم ان الاستجابة الصحيحة تكون بقبول العبث، العيش به، ومقاومته يوميا بالموقف الحرّ والمسؤول: الإنسان يقرر أن يخلق معناه الخاص ضمن حدود اللامعنى الكوني.
المسؤولية الشخصية هنا هي التمرد الذي يولد القيمة، فالحرية هي الإدراك بأن لا شيء يمنحني قيمة مسبقة يحررني من أي التزام أو “مصير” مفروض، وان مسؤوليتي تصبح ملء الفراغ بخلق لحظات من الشغف، والإبداع، والتضامن الإنساني في وجه اللامعنى.

ومصير سيزيف هو العبث، لكن لحظة نزوله من التل ليصعد بالصخرة مجددا هي لحظة وعيه بعبثية مصيره. في هذا الوعي، يصبح سيزيف سيد مصيره، ويعيش بحرية كاملة وقلق مسؤول.
فيما مفهوم “سوء النية” عند جان بول سارتر، هو الآلية التي يستعملها الإنسان لإنكار حريته المطلقة وبالتالي التهرب من المسؤولية الكاملة عن مصيره، و سوء النية هو أن أكذب على نفسي بشأن حقيقة أنني حُر، وأن أعيش وكأنني شيء محدد سلفا بدلا من أن أكون وعيا حرا، و هي محاولة لـ “أن أكون ما لستُ إياه، وألا أكون ما أنا إياه”.
يشرح سارتر سوء النية بوساطة أمثلة شهيرة توضح كيف نتخلى عن حرية الاختيار لنهرب من ثقل المسؤولية، مثال سارتر الشهير التفسير لسوء النية والهرب من المسؤولية، النادل في المقهى فهو يبالغ في أداء دوره (السرعة، الحركات الدقيقة) لدرجة أنه يحاول أن يصبح نادلا فقط، لا إنسانا حرا يختار أن يكون نادلا، هو يختبئ خلف ماهية وظيفته ليتخلص عن حرية الخيار في كونه شيئا آخر.
بعض الفتيات في أول موعد، الفتاة تسمح ليد الشاب بأن تمسك بيدها ولكنها لا تنتبه لذلك، تفصل وعيها عن جسدها. هي تريد أن تكون جسدا خاملا (غير مسؤول) حتى لا تضطر لاتخاذ قرار الرفض أو القبول الواعي. الرجل الذي يقول: “أنا جبان” هو يحاول أن يحدد نفسه بصفة ثابتة (ماهية)، فينكر أنه يستطيع أن يختار الشجاعة والتمرد في اللحظة المقبلة. هو يحدد مصيره سلفا ليتجنب مسؤولية الاختيار الآن.
في رؤية سارتر، المصير هو النتيجة المباشرة لسوء النية، و الاعتقاد بأن “المصير” أو “الظروف” أو “الماضي” أو “الآخرين” هي التي تحدد سلوكي، هو سوء نية لأنه ينكر أنني أملك الحرية دائما في اختيار رد فعلي وتفسيري لتلك العوامل.
ان الوجود الأصيل هو العيش بمسؤولية، والاعتراف الدائم بالحرية المطلقة، والتوقف عن الكذب على الذات بشأن كونها محددة سلفا.
المصير والحرية والمسؤولية في زمن الذكاء الاصطناعي
وكما قلنا يعرف المفهوم الوجودي الانسان بأنه الكائن الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته؛ أي أنه يولد حرا ثم ينشئ تعريفه لنفسه عبر خياراته ومسؤوليته، ومفهوم الوجود يسبق الماهية ينطلق من الحرية المطلقة وعليه أن يختار. ينطلق من الخوارزمية المبرمجة وعليه أن ينفذ. يحدد غايته بنفسه. غايته مُحددة سلفا من قبل المبرمج (مثل: “حل المشكلة” أو “التنبؤ بالنتائج”).
فيما يتعلق بالآلة، فإن مصدر “مصيرها” هو “الكود” والبيانات التي دُرّبت عليها؛ هي مُدانة بأن تكون ما صُممت لتكون عليه. و عندما نمنح الآلة حرية اتخاذ القرار (كما في أنظمة القيادة الذاتية)، فإن هذه الحرية هي حرية وظيفية وليست وجودية؛ فهي تختار ضمن حدود الأهداف والقواعد التي وضعناها؛ و يكمن الخطر في أن نبدأ في التعامل مع الإنسان كمثل الآلة، ونحاول اختزال ماهيته إلى وظيفة أو كود سلوكي، وهو جوهر سوء النية الوجودي.
وسوء النية الوجودي في عصر الخوارزميات هو محاولة الإنسان الهرب من حريته المطلقة ومسؤوليته. يظهر هذا بوضوح في طريقة تفاعلنا مع الذكاء الاصطناعي: الهرب من المسؤولية: “اللوم على الخوارزمية”، و أقوى مظهر لسوء النية هو استعمال الذكاء الاصطناعي كـ “قدر” أو “مصدر قرار محايد” لإلغاء الحاجة إلى الاختيار الأخلاقي البشري.
فتبرز عملية استغلال “موضوعية” الآلة المزعومة كدرع للحماية من ثقل المسؤولية الشخصية والأخلاقية عن نتائج القرار. الإنسان يتخلى عن حريته في الحكم ليصبح مجرد منفذ لـ”قدر تقني” صممه بنفسه.
ويتمثل سوء النية في رفع الآلة إلى مرتبة كائن أعلى ماهية “الآلة أفضل مني” او”يجب أن نتبع تنبؤات AI، لأنها أكثر دقة وذكاء من البشر.”، وبالتالي إلغاء حرية الإنسان في التمرد على قراراتها أو مراجعتها.
والاشكالية هنا، أن نتبنى “وجود زائف” نابع من إيمان أعمى بأن ماهية الآلة (المنطقية، الكفؤة) يجب أن تكون هي الماهية التي نتبعها نحن، بدلا من أن نتحمل مسؤولية حكمنا الأخلاقي القائم على الحرية.
وإذا كان العالم لا يحمل معنى مسبقا، فإن كل ما نفعله هو فعل حر ومسؤول بالكامل. هذا ينطبق بشكل خاص على مصممي ومنتجي تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فتأتي هنا المسؤولية المطلقة للخالق البشري أي المبرمج الوجودي: المبرمج (أو فريق العمل) هو الذي يمنح ذكاء الاصطناعي ماهيته (أهدافه، قيمه الأخلاقية، تحيزاته الكامنة في البيانات).
ولا يمكن للمبرمج أن يتهرب من المسؤولية بالقول: “النموذج خرج عن السيطرة”. ما دامت الآلة مشروعا بشريا، فإن الإنسان يتحمل المسؤولية عن كل فعل ينتج عنها، وبالطريقة نفسها التي يتحمل بها المسؤولية عن كل خيار يتخذه لنفسه وللإنسانية.
ويتحمل المبرمج “قلق الاختيار الكوني” لأنه يضع قواعد جديدة لتشغيل العالم، وهو مسؤول عن تلك القواعد أمام جميع البشرية.
ان التطور السريع وغير المحدود للذكاء الاصطناعي يمثل أحيانا قوة ضخمة تتجاوز فهمنا وقدرتنا على التحكم الأخلاقي بها. قد تكون النتيجة النهائية لجهودنا في بناء آلة ذات ذكاء مذهل هي مواجهة اللامبالاة المطلقة والذكية للآلة تجاه القيم البشرية.

والاستجابة المسؤولة للعبث التقني ليست بإيقاف التطور، بل بـالتمرد الواعي على استعمال التكنولوجيا لتجريد الإنسان من حريته واختياره الوجودي. هذا يتطلب ترسيخ الأخلاق الإنسانية والفلسفية في صلب تصميم الآلة، وليس فقط كملحق ثانوي.
هذا التحليل يؤكد أن قضية الذكاء الاصطناعي ليست مجرد قضية تقنية أو اقتصادية، بل هي تحدٍ وجودي يدعو الإنسان إلى أن يتحمل مسؤوليته المطلقة بوصفه الكائن الحر الوحيد الذي يملك القدرة على تحديد معنى العالم، بما في ذلك معنى الآلة ودورها.
الاضطهاد و الحرية الوجودية
ان المضطهدين، الذين تكيفوا مع بنية الهيمنة التي ينغمسون فيها، واستسلموا لها، يُمنعون من شن النضال من أجل الحرية طالما أنهم يشعرون بعدم القدرة على تحمل المخاطر التي يتطلبها ذلك. علاوة على ذلك، فإن نضالهم من أجل الحرية لا يهدد الظالم فحسب، بل يهدد أيضا رفاقهم المضطهدين الذين يخشون المزيد من القمع. وعندما يكتشفون في أنفسهم الشوق إلى الحرية، يدركون أن هذا الشوق لا يمكن أن يتحول إلى واقع إلا عندما يثار نفس الشوق لدى رفاقهم. ولكن فيما يهيمن عليهم الخوف من الحرية، فإنهم يرفضون مناشدة الآخرين، أو الاستماع إلى مناشدات الآخرين، أو حتى إلى مناشدات ضميرهم. إنهم يفضلون العمل الاجتماعي على الرفقة الحقيقية؛ إنهم يفضلون أمن التوافق مع حالة عدم حريتهم على المشاركة الإبداعية التي تنتجها الحرية وحتى السعي وراء الحرية ذاته.
إن المظلومين يعانون من الثنائية التي ترسخت في أعماق كيانهم. يكتشفون أنه من دون الحرية لا يمكنهم الوجود بشكل أصيل، ومع ذلك، برغم رغبتهم في الوجود الحقيقي، إلا أنهم يخشونه. إنهم في الوقت نفسه هم أنفسهم والظالم الذي استوعبوا وعيه. الصراع يكمن في الاختيار بين أن يكونوا أنفسهم بالكامل أو أن يكونوا منقسمين؛ بين طرد الظالم من الداخل أو عدم طرده؛ بين التضامن الإنساني أو الاغتراب؛ بين اتباع الوصفات أو تواجد خيارات؛ بين كونهم متفرجين أو ممثلين؛ بين التمثيل أو وجود الوهم بالتصرف عن طريق عمل الظالمين؛ بين التحدث أو الصمت، المقموعون في قدرتهم على الإبداع وإعادة الإبداع، في قدرتهم على تحويل العالم. هذه هي المعضلة المأساوية التي يعيشها المظلومون التي يجب أن يأخذها تعليمهم بعين الاعتبار.
المشكلة المركزية تكمن في: كيف يمكن للمضطهدين، بصفتهم كائنات منقسمة وغير أصيلة، أن يشاركوا في تطوير عملية تحريرهم؟ فقط عندما يكتشفون أنفسهم انهم “مضيفين” للظالم، عندئذ يمكنهم الاسهام في توليد أسلوبهم التربوي التحرري من الظالم.
ان التحرير هو ولادة مؤلمة؛ إن الرجل أو المرأة الذي يظهر هو شخص جديد، لا يمكن أن يكون قابلا للحياة إلا عندما يجري استبدال التناقض بين الظالم والمظلوم بإنسانية جميع الناس؛ أو بعبارة أخرى، فإن حل هذا التناقض يولد في العمل الذي يجلب إلى العالم هذا الكائن الجديد: لم يعد ظالما ولم يعد مظلوما، بل إنسانا في عملية تحقيق الحرية.