حق الكورد في الدولة المستقلة: قضية عدل لا تقبل التأجيل

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي*

منذ قرونٍ طويلة، والشعوب في هذه المنطقة تتشكل وتبني دولها القومية؛ فالعرب أسسوا أكثر من عشرين دولة تمتد من الخليج إلى المحيط، والفرس لهم دولتهم العريقة، والترك أقاموا دولتهم القومية في الأناضول.
لكن يبقى سؤال العدالة والضمير الإنساني قائماً:
لماذا يُحرم الشعب الكوردي وحده من حقه في إقامة دولته المستقلة؟
رغم أنه شعب أصيل، يزيد عدده على خمسين مليون إنسان، وله لغته وتاريخه وثقافته التي تمتد جذورها آلاف السنين في جبال كوردستان الشامخة.

الكورد ليسوا طارئين على هذه الأرض، بل هم من أقدم شعوب الشرق، ساهموا في بناء الحضارات، وشاركوا في الدفاع عن القيم الإنسانية. ومع ذلك، كان نصيبهم التقسيم والحرمان، بعد أن قسّمت اتفاقية سايكس بيكو أرضهم إلى أربع دول، فوجد الكوردي نفسه غريباً في وطنه، مقيّداً في أرض أجداده.

إن الحق في تقرير المصير ليس منحة من أحد، بل هو حقٌ إلهي وإنساني أصيل، أقرّته الشرائع السماوية والقوانين الدولية.
قال الله تعالى:
> ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾
(النحل: 90)

وقال سبحانه أيضاً:
> ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
(المائدة: 8)

فهذه الآيات العظيمة تضع ميزان العدالة فوق كل انتماءٍ قومي أو حدودٍ سياسية، وتؤكد أن العدل أساس قيام الأمم.

وفي الحديث الشريف قال النبي ﷺ:
> “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”
فقالوا: يا رسول الله، ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟
قال: “تمنعه من ظلمه، فذلك نصره.” (رواه البخاري)

وشعب كوردستان اليوم هو المظلوم الذي يجب أن يُنصر بالعدل، بأن يُمنح حقه المشروع في دولةٍ مستقلةٍ تمثل إرادته وتحفظ كرامته.

الكورد أثبتوا للعالم أنهم دعاة سلام، لا دعاة حرب؛ بنوا في إقليم كوردستان نموذجاً مبهراً في الاستقرار والتعايش بين القوميات والأديان، فتحوا أبوابهم للنازحين والمظلومين من كل المكونات دون تمييز، فكانوا مثالاً في الإنسانية.
فكيف يُكافأ هذا الشعب الكريم بحرمانه من حقه الطبيعي في وطنٍ مستقل؟

إن إقامة دولة كوردية مستقلة لا تعني الانفصال عن الآخرين بقدر ما تعني التحرر من الظلم التاريخي، والمشاركة الفاعلة في بناء شرقٍ أوسطٍ أكثر استقراراً وعدلاً.
فلا استقرار حقيقي في المنطقة ما لم تتحقق العدالة لكل الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الكوردي.

إن العالم اليوم أمام امتحانٍ أخلاقيٍّ وإنسانيٍّ كبير:
هل سيستمر في تجاهل حق الكورد المشروع، أم سينتصر لقيم العدالة التي نادى بها الأنبياء والرسل والمواثيق الدولية؟

> ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
(إبراهيم: 42)

كوردستان ليست حلماً، بل حقّاً مؤجلاً.
وآن الأوان أن يتحول هذا الحق إلى واقعٍ مشرق، يُرفع فيه علم الكورد بحريةٍ وكرامةٍ فوق أرضهم المباركة.

*امام وخطيب

قد يعجبك ايضا