﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾… عندما تتهاوى تحالفات المصالح أمام الحقيقة

عرفان الداوودي

﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾.

هذه الآية الكريمة لا تقتصر دلالتها على واقعة تاريخية، بل تكشف طبيعة التحالفات التي تُبنى على المصالح الشخصية والمكاسب غير المشروعة. فمثل هذه التحالفات تبدو متماسكة أمام الناس، لكنها في حقيقتها هشة، إذ إن أصحابها يجتمعون ما دامت المصالح قائمة، فإذا اقتربت لحظة المساءلة، انقلب بعضهم على بعض، وتحوّل الشركاء إلى خصوم، وبدأ كل طرف يبحث عن نجاته ولو كان الثمن فضح الآخرين.

إن التجارب السياسية تؤكد أن الفساد لا يصنع دولة، ولا يؤسس استقراراً، بل يخلق شبكات من المنتفعين تتظاهر بالقوة والوحدة، بينما تخفي في داخلها صراعاً دائماً على النفوذ والمال. وعندما تبدأ أجهزة الدولة والقضاء بملاحقة ملفات الفساد، تتفكك تلك الشبكات سريعاً، ويبدأ تبادل الاتهامات وكشف الأسرار والوثائق، فتظهر الحقيقة التي كانت مخفية خلف شعارات زائفة وتحالفات مؤقتة.

لقد أثبتت الأحداث أن الذين ظنوا أن المال والنفوذ يوفران لهم حصانة دائمة، اكتشفوا أن دوام الحال من المحال، وأن سلطة القانون، متى ما فُعّلت بعدالة واستقلال، قادرة على كشف الحقائق مهما طال الزمن. فلا النفوذ السياسي يدوم، ولا الحماية الحزبية تبقى، ولا المال يستطيع أن يحجب الحقيقة إلى الأبد.

إن الشعب العراقي يتطلع إلى دولة قوية لا تُدار بالمحاصصة أو الولاءات الضيقة، بل بدولة المؤسسات وسيادة القانون، حيث يخضع الجميع للمساءلة، ويكون معيار البقاء في المنصب هو النزاهة والكفاءة، لا حجم النفوذ أو قوة العلاقات.

إن بناء العراق لا يتحقق إلا باجتثاث الفساد من جذوره، واسترداد الأموال العامة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون والقضاء المستقل، لأن العدالة ليست شعاراً سياسياً، بل أساس استقرار الدولة وحماية حقوق المواطنين.

وستبقى الحقيقة ثابتة: إن التحالفات التي تُبنى على المصالح الضيقة مصيرها الانهيار، أما الأوطان فلا تبنى إلا بالعدالة، والشفافية، وسيادة القانون، وإرادة شعب يؤمن بأن مستقبل العراق أكبر من جميع الفاسدين وأقوى من جميع تحالفاتهم.

قد يعجبك ايضا