محمد عمر عثمان
في زمنٍ لم يعد فيه الطفل ساذجًا، بل واعيًا، ناقدًا، ومشاركًا في صياغة المستقبل، كيف يُعقل أن يبقى السياسي الكبير غارقًا في المجاملات؟ لقد تغيّر الوعي، وتبدّلت المعايير، ولم تعد الشعوب تُخدع بالشعارات ولا تَسكت بالوعود. الشعب الكردي، الذي عانى لعقودٍ من التهميش والإنكار، لم يعد يطلب الاعتراف فقط، بل يطالب بحقوقٍ كاملة، بدستورٍ يُنصفه، وبسلامٍ لا يُبنى على الصمت.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في تصريحاته الأخيرة، أشار إلى ضرورة صياغة دستور مدني جديد، وإلى أن القضية الكردية قد طالت حتى تجاوز أطفالها سن الأربعين. هذا الاعتراف، وإن جاء متأخرًا، يحمل في طياته فرصة تاريخية: فرصة للانتقال من الإنكار إلى الشراكة، ومن الهيمنة إلى العدالة.
لكن الاعتراف وحده لا يكفي. السلام لا يُبنى على النوايا، بل على نصوصٍ تحمي الحقوق، على سياساتٍ تُنصف الهويات، وعلى شجاعةٍ تُنهي زمن المجاملات وتبدأ زمن الإنصاف.
الدستور القادم يجب أن يكون مرآةً للواقع، لا قناعًا له. يجب أن يعترف بالشعب الكردي لا كأقلية، بل كجزءٍ أصيل من نسيج الوطن. يجب أن يُكرّس الحق في اللغة، في الثقافة، في التمثيل، وفي الوجود.
وفي هذا السياق، يقف حزب العمال الكردستاني (PKK) أمام لحظة مفصلية. بعد أكثر من أربعة عقود من القتال، لم يعد الصراع المسلح وحده يُجدي، ولم تعد الشعارات القديمة تُقنع جيلًا جديدًا من الكرد الذين يطالبون بالكرامة، لا بالدم.
ما الذي يجب أن يفعله PKK الآن؟
التحول من المقاومة المسلحة إلى النضال المدني والسياسي على الحزب أن يُعيد تعريف نفسه كقوة مدنية، داعمة للأحزاب الكردية الديمقراطية، ومشاركة في صياغة مستقبل دستوري عادل.
دعم مشروع دستور يعترف بالهوية الكردية لا بالمطالبة بوضع خاص، بل بالضغط لتضمين الحقوق الثقافية، اللغوية، والتعليمية ضمن إطار المواطنة المتساوية.
تعزيز الحوار مع القوى الديمقراطية التركية التحالف مع حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، وتوسيع دائرة الشراكة مع قوى يسارية ومدنية تؤمن بتركيا متعددة الهويات.
إطلاق مبادرة سلام شاملة من طرفه لا يكفي انتظار الدولة، بل يجب أن يُعلن الحزب مبادرة واضحة تُظهر استعداده للتخلي عن العنف مقابل ضمانات دستورية حقيقية.
إعادة صياغة خطابه الإقليمي خاصة في العراق وسوريا، ليُظهر نفسه كقوة مدنية لا عسكرية، ويُعزز شرعيته الدولية ويُقلل من الذرائع الأمنية التي تستخدمها أنقرة.
إن تجاهل هذه المطالب ليس فقط ظلمًا، بل انتحارٌ سياسيٌ في زمنٍ لم يعد يحتمل التزييف. فالشعوب لا تنسى، والذاكرة لا تُمحى، والكرامة لا تُساوَم.
ربما آن الأوان أن يُكتب الدستور بلغةٍ جديدة: لغة لا تُخاطب الكردي كضيف، بل كمؤسس. لغة لا تُخاطب الطفل كصامت، بل كصوتٍ واعٍ. لغة لا تُخاطب العالم بالمجاملات، بل بالحقيقة.
وفي هذا الزمن، لا خيار أمام أردوغان سوى السلام. سلامٌ حقيقي، لا تكتيكي. سلامٌ يُعيد الاعتبار، لا يُعيد التدوير. سلامٌ يُكتب بالدستور، ويُترجم بالسياسة، ويُحفظ بالعدالة.
فهل يُصغي التاريخ؟ وهل يُنصت السياسيون لصوت الريح حين تمرّ من ممرّات الذاكرة؟ الجواب، كما في القصيدة، في ممرّات الريح.
•
ممرّات الريح
في ممرّات الريح….
تتدلّى الأسئلة من غصونٍ لا تنبت،
والأجوبةُ تمشي حافيةً على جمرِ الصمت.
الإنسانُ؟ ظلٌّ يبحثُ عن وجهه في.,
مرايا الآخرين، ويُصغي لنداءٍ .,
لا يُقال، بل يُحسّ.
كم طريقًا يجب…
أن نعبر، حتى نُدرك أن,
الطريقَ يسكنُ فينا؟ وكم,
بحرًا يجب أن نُغرق فيه، حتى ..,
نسمع صوتَ الملحِ.,
وهو يبكي؟
في ممرّات الريح، …
تتحدثُ الأشجارُ بلغةٍ لا تُكتب،
وتُصغي الجبالُ لصرخةٍ لم تولد بعد.
كم قنبلةً يجب أن تنفجر في الذاكرة، حتى.,
يُحظرَ الحنين؟ وكم موتًا يجب..,
أن نُعانق، حتى نعرف أن,,.
الحياةَ ليست نقيضًا له؟
يا رفيقي، كم…..
سنةً يجب أن تنكمش.,
الأغصان، حتى تتوقف البحارُ,
عن الغليان؟ وكم شعبًا يجب أن ..,
يُحاصر، حتى يُسمح له.,
أن يحيا بلا قيد؟
في ممرّات……
الريح، تجلسُ الحريةُ.,
على كرسيٍ فارغ، تنتظرُ من.,
يُصدّق أنها ليست شعارًا،
بل وجعًا يُولدُ من.,
رحمِ الصمت.
كم مرةً يجب.,..
أن نغيّر وجوهنا،
حتى نُثبت أننا لا نُرى؟
وكم عينًا يجب أن تُغلق،
حتى نرى ما لا يُرى؟
في ممرّات الريح،….
لا أحد يصل، لكن الجميعُ,
يسير، كأنّ السيرَ هو النجاة،
وكأنّ الريحَ هي التي.,
تكتبُ القصيدة.