فتيات الانفال الكورديات …في مصر…بين الحقيقة و الخيال…

دلزار اسماعيل رسول

 في الثمانينات…كان يتبادر الى ذهني الاحاديث المقتضبة و السرية عن الفتيات التي تم القبض عليهن في عمليات الانفال و إرسالهن الى مصر…فبقي هذا الموضوع راسخاً في وجداني …خاصة ان عمري كان آنذاك 12 سنة و تبقى الذكريات راسخة في الذهن …الى أن قابلت احد المحامين … قال لي أنه قام باقتفاء أثر البنات الكورديات في مصر و تعرض لثلاث عمليات اغتيال في مصر، و نجى منها باعجوبة و ترك الموضوع لينجو بحياته، و قرأت في احد المجلات أن احد رجالات مصر قال  “اننا مستعدون لنرسل ثلاثة آلاف من الراقصات” بدل تلك الفتيات الكورديات… و أثار عرض مسلسل مصري يتحدث عن تلك الفتيات الموضوع الى الوجود مرة أخرى….فبت أتقصى الموضوع اكثر …
بدأت هذه القضية مع حملة الانفال و السبي (1986_1988) ، و الانفال هي سلسلة من العمليات العسكرية الممنهجة التي نفذها نظام صدام حسين ضد المدنيين الكورد في اقليم كوردستان العراق ، خاصة بين عامي 1987 و 1988 ،وقد قام بتنفيذ تلك الحملة قوات الفيلقين الأول والخامس في كركوك وأربيل مع قوات منتخبة من الحرس الجمهوري، بالإضافة إلى قوات الجيش الشعبي وافواج ما يسمى بالدفاع الوطني التي شكلها النظام العراقي انذاك من الكورد لمحاربة أبناء جلدتهم، وقد تضمنت العملية ست مراحل وأدت إلى مقتل وتشريد عشرات الآلاف من الكورد.، يذكر أن جيش النظام السابق وبمساعدة مسلحين كورد، نفذ حملة عسكرية في آذار 1988، أطلق عليها اسم “عمليات الأنفال”، بدأت المرحلة الأولى منها في 22 شباط 1988، وتم خلالها مهاجمة وادي جافايتي في ناحية كابيلون التابعة لقضاء دوكان (55 كم شمال غرب السليمانية)، على مدى ثلاثة أسابيع، وتم تهجير عشرات الآلاف من المواطنين الكورد…وتجدر الاشارة الى ان حملة الانفال كانت ابادة جماعية واسعة النطاق ضد السكان الكورد في شمال العراق ، راح ضحيتها ما يقدر بـ 50000 الى 180000 شخص و شملت تدمير القرى و استخدام الاسلحة الكيمياوية…
  و عبارة “الانفال” تعني “غنيمة حرب”، يُشار الى ان حملة الانفال في عهد النظام العراقي السابق اعتبرت عملية ابادة جماعية و نهب، حيث كانت الاوامر تضمنت ان المرأة الكوردية يمكن أن تُغنَم وفقا لما كان يُعتبر قانوناً في ذلك الوقت، و وفقاً للأوامر العسكرية الصادرة من قيادة الحملة (علي حسن المجيد) كانت تعتبر “المرأة الكوردية تُغنم وفق القانون وقتها”، وكان من الممارسات الموثقة في علميات الاعتقال القسري خلال الانفال هو عزل الرجال عن النساء و الاطفال و الفتيات في المعسكرات، تم اعدام الذكور بشكل جماعي و دفنهم في مقابر جماعية في جنوب العراق (غالباً في السماوة)، أما مصير النساء و الفتيات، فقد نقلت النساء و الفتيات و الاطفال الى مجمعات، لكن ظهرت ادلة تشير الى ان بعض الفتيات الشابات اللاتي تراوحت اعمارهن بين 19 و 29 سنة لم يُرسَلنَ الى تلك المجمعات…
و من أقوى الادلة على هذا الموضوع ، العثور على وثيقة لدوائر الامن للنظام البائد وهي عبارة عن كتاب موجه من مديرية مخابرات التأميم (كركوك حالياً) الى مديرية المخابرات العامة بتاريخ (10/12/1988) و التي ورد فيها :_ “بعد الإيعاز المباشر من لدن القيادة السياسية قيامنا بعمليات الأنفال الاولى و الثانية و التي تم فيها حجز مجاميع مختلفة من الأشخاص و من تلك المجاميع مجموعة من الفتيات التي تتراوح أعمارهن بين ١٤-٢٩ سنة و قد قمنا و حسب أوامركم بإرسال مجموعة من تلك الفتيات إلى الملاهي و النوادي الليلية لجمهورية مصر العربية حسب طلبهم و إليكم طيا قائمة باسماء تلك الفتيات مع عمر كل واحدة منهن …
للتفضل بالاطلاع مع التقدير
ومن الدلائل الاخرى قيام رجل اعمال كوردي بالتواصل مع احدى الفتيات المؤنفلين في مصر ، و أنها أكدت له وجود فتيات أخريات معها، كما أشير الى أن رجل الاعمال سجل شريط فيديو صوت و صورة لتلك الفتاة لتقديمه كدليل …ولكن الاسماء التي توصل اليها رجل الاعمال الكوردي ذاك تختلف عن الاسماء الواردة في الوثيقة الصادرة عن مديرية مخابرات كركوك عام 1989 ، هذا التباين يعقد عملية التحقيق و يجعل نشر قائمة واحدة امراً غير دقيق أو حاسم…و ايضا تم تسجيل شريط فيديو من قبل رجل الاعمال هذا و الذي سجله لاحدى الفتيات، ولكن لم ينشر هذا الشريط او الاسماء الواردة فيه علناً…
بعد هذه الادلة قامت الجهات الرسمية باجراء تحقيقات و تقصيات عن هذا الموضوع في داخل العراق و خارجه ، و قامت بتشكيل لجنة في مصر تقع على عاتقها مهمة ايجاد هذه الفتيات، ولكن للاسف لم تتوصل لشيء و قررت:_   بالملاحقة القانونية لجميع الأشخاص والمؤسسات والجهات التي كانت قد أثارت هذه القضية، وقدمت معلومات ملفقة وغير صحيحة بشأنها، لمثولهم أمام القضاء، وإتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم…

تبقى هذه القضية …غامضاً و يحتاج الى تقصي و اقتفاء اثر خاصة بعد مرور (37) عاماً، حيث أن هؤلاء الفتيات يمكن أن تعرضن لتحديات اجتماعية و نفسية هائلة ، وقد أجبرن على قضاء سنوات طويلة في ظروف قاسية بعيدا عن ذويهن، ومما يكتنف المجتمع الكوردي من اعتبار للتقاليد الصارمة و التي كانت تلكم الفتيات يلتزمون بها، و استنادا الى ذلك فبات من الصعوبة بمكان محاولة رجوع هؤلاء الفتيات الى ذويهن بدافع من الشعور بالامتهان أو العار، أو وقوعهن تحت أيدي عصابات من متاجرين بالبشر ، وقد وضعوهن تحت تهديد مباشر أو خفي….

التحقيق في هذا الموضوع…يحتاج الى اشخاص متخفين تحت أيديهم امكانيات مادية هائلة، يدخلون الى عمق المجتمع المصري، وخاصة شارع الهرم الشهير بالملاهي في مصر ، وليس تشكيل لجان حكومية ظاهرة للعيان،و الاخذ بالاعتبار القيام بمحاولات شخصية بحتة، والتواصل معهن بشكل فردي، و أقناعهن بالرجوع في حالة وجودهن، و رفع أي غبن أو تهديد عنهن بصورة غير مباشرة…..

في كل الاحوال اذا كانت اصغرهن سناً ذاك الوقت (19) سنة، فقد وصلت عمرها الان الى (56) عاماً، قضتها في ضنك و شغف العيش، ولا يقدر أحد أن يعيد لها شبابها و أعوامها التي قضتها في عذاب و مذلة ….تبقى العدالة في هذا الامر لله وحده، فهو وحده القادر أن يعيد لهن حقهن يوم القيامة….

اذا كان لهن وجود….!!

قد يعجبك ايضا