عفرين الكوردستانية ترفض التصويت في انتخابات شكلية

لماذا يفرض على أهالي عفرين الكوردستانية التصويت في انتخابات مجلس شعب شكلية في منظومة انتخابية مفصلة تفصيلا انتخابيا محكما تعيد انتاج سلطة حكومة الجولاني المؤقتة وتشرعنها في ظل غياب الاعتراف بالحقوق الكوردية المشروعة واستمرار سياسات التهميش بحقهم؟

مع اقتراب موعد انتخابات مجلس الشعب في سوريا يثور في أذهان أبناء عفرين سؤال مشروع: لماذا يُفترض أن يشاركوا في انتخابات تجري تحت سلطة لم تعترف يومًا بحقوقهم القومية ولم تسمح حتى بتعليم لغتهم الأم، بل وفرضت عليهم سياسات إنكار وتهميش ممنهجة لعقود طويلة؟

يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحًا اليوم في ظل واقع أليم تعيشه المنطقة منذ سنوات حيث سيطرت الفصائل المسلحة على عفرين وارتُكبت جرائم وانتهاكات بحق أهلها من قتل وتهجير ونهب ممتلكات ومصادرة أراضٍ وقطع للأشجار فيما بقيت العدالة غائبة والمجرمون بمنأى عن المحاسبة.

إن الحديث عن انتخابات في مثل هذه الظروف لا يتعدى أن يكون إعادة إنتاج لمشهد سياسي مأزوم إذ إن التجربة التاريخية لمجالس الشعب السورية منذ عهد الأسد الأب وحتى اليوم كانت مجرد واجهة شكلية تفتقد لأي صلاحيات حقيقية. فالمرشحون الذين يجلسون تحت قبة البرلمان غالبًا ما كانوا أدوات لتزيين صورة النظام يصفقون للحكومة بدل أن يدافعوا عن حقوق مواطنيهم. والواقع أن أي مرشح كوردي يدخل البرلمان ضمن هذه الشروط لن يكون قادرًا على المطالبة بعودة المهجرين إلى بيوتهم أو رفع الظلم عن المواطنين أو ضمان تعليم أبنائهم بلغتهم القومية أو حتى فتح ملف الانتهاكات التي تعرض لها أبناء عفرين.

إن مجرد الترشح إلى هذه الانتخابات في ظل غياب أي تحول سياسي أو اعتراف دستوري بالحقوق الكوردية لا يعدو أن يكون مصلحة شخصية أو محاولة للتموضع ضمن دائرة السلطة وليس أداة لخدمة الشعب. وهو في جوهره لا يختلف عن الأدوار التي لعبها بعض الشخصيات الكوردية في عهد النظام السابق حين كان البرلمان مجرد منبر للتصفيق وتثبيت شرعية سلطة استبدادية من دون أن يملك أي تأثير فعلي في صنع القرار أو الدفاع عن القضايا القومية والوطنية.

المفارقة أن أبناء عفرين يجدون أنفسهم اليوم بين خيارين كلاهما مر إما المشاركة في انتخابات يعرفون مسبقًا أنها لن تغير من واقعهم شيئًا أو مقاطعتها لتأكيد رفضهم لمسرحية سياسية لا تعكس إرادتهم. وبين هذا وذاك يظل الهمّ الأكبر هو البحث عن سبيل لاستعادة الحقوق المسلوبة وضمان عودة المهجرين ورفع الظلم عمن بقي صامدًا في أرضه ومحاسبة الفصائل التي مارست الجرائم والانتهاكات وتعويض المتضررين من أبناء المنطقة.

إن الموقف الكوردي من هذه الانتخابات يجب أن ينبع من قراءة عميقة للتجربة السابقة فمشاركة بلا ضمانات سياسية ودستورية لن تكون سوى ورقة بيد السلطة لتلميع صورتها بينما سيظل الشعب الكوردي محرومًا من أبسط حقوقه. لذلك فإن الخيار الأكثر واقعية يكمن في التمسك بالمطالبة بالاعتراف الدستوري بالوجود القومي للشعب الكوردي وضمان تعليم لغته في المدارس، وإنهاء الاحتلال والانتهاكات في عفرين كشرط أساسي لأي عملية سياسية ذات معنى، وما لم يتحقق ذلك فإن أي انتخابات لن تتجاوز كونها إعادة إنتاج لنظام الإقصاء والتهميش مهما تغيرت الوجوه واللافتات.

وإذا كان البعض يظن أن ترشيح نفسه لمجلس الشعب اليوم فرصة للتعبير عن إرادة عفرين فإن الحقيقة المؤلمة أن هذه الترشيحات ليست سوى تعبير مزدوج لعدة سلطات متداخلة تتحكم بمصير المنطقة الكوردية، سلطة حكومة الجولاني المؤقتة المتمثلة “بالأمن العام” وادارتها الأمنية والعسكرية والسياسية التابعة لهيئة تحرير الشام “المنحلة شكلا” والمعبرة عنها بأبرز تجلياتها والموالية لها حتى العظم من جهة اولى والفصائل المسلحة “العمشات، الحمزات، سلطان مراد.. الخ ” والتي تمثل قوات أمنية وعسكرية موازية لتركيا لإدامة السيطرة على المناطق الكوردية وافشال اي مساع حقيقية لحل عادل وشامل للقضية الكوردية في سوريا وحصرها في حقوق مواطنة شكلية تستند في جوهرها على ابعاد واقصاء واستعباد الشعب الكوردي من جهة أخرى، أما الشعب الكوردي فصوته الحقيقي ما زال مغيّبًا بغياب العدالة الحقيقية وحرمانه من حقوقه الوطنية والقومية الدستورية وحقه في تقرير مصيره على أرضه التاريخية أسوة بباقي شعوب العالم الحية.

صوت البارتي

قد يعجبك ايضا