محمد عمر عثمان
قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفتة رمزية عميقة عندما تحدث عن “المشكلة التي تُقلق الشرق الأوسط بأكمله”. في خطابه الأخير من البيت الأبيض، وبمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ألقى خطابه بنبرة هادئة، ولكن بروح جيوسياسية، حيث فتح ملفات اتفاقية سايكس بيكو وطرح سؤالاً وجودياً:
هل نواجه شرق أوسط جديداً؟ أم أننا سنُعيد تدوير الفوضى الخلاقة؟ هل للكورد مكانهم في هذه المعادلة، أم ستبقى حقوقهم مُهمَلة؟
إرث سايكس بيكو.. خريطة بلا جذور
لم تكن اتفاقية سايكس بيكو (1916) مجرد تقسيم للسلطة بين فرنسا وبريطانيا؛ بل كانت بمثابة إنشاء ما يُسمى بالمؤسسات الوطنية التي تجاهلت الأمم. رُسمت الحدود على أجساد الأمم التي لم تُستشار، وعلى رأسها الكورد. هذه الجغرافيات العشوائية لمعظم الأمم، كما أشار توماس باراك، مبعوث ترامب إلى سوريا ولبنان، تُنتج باستمرار أزمات متكررة وتغذي صراعات حول الهوية والوطن.
الدستور الكوردي.. الواقع المؤجل
في قلب هذه التغييرات، يبرز الكيان الكوردي كواقع مؤجل بدلاً من أن يكون فاعلاً. فعلى الرغم من التضحيات الجسيمة التي قدمها الكورد في سوريا والعراق وتجربتهم السياسية في الحكم الذاتي، فإن التحالفات الإقليمية – وخاصة تلك بين تركيا وإيران – تحاول بشكل منهجي وقف الانتفاضة الكوردية من خلال الضغط الدبلوماسي ودعم الجماعات المسلحة والشروط المركزية.
وعلى وجه الخصوص، تسعى تركيا باستمرار إلى أن تصبح عقبة قوية أمام الاعتراف بكوردستان الغربية، وتعتبر أن من استراتيجيتها تدمير الأهداف الكوردية، حتى لو لزم الأمر، أو مواجهة إسرائيل بشكل غير مباشر، أو أن تصبح مُعطلاً للاستراتيجية الأمريكية والأوروبية في سوريا.
ترامب والشرق الأوسط الجديد.. إعادة هيكلة أم إعادة تجاهل؟
كان نطق كلمة “إلابراهيمية” يحمل إيقاعًا وذبذبة دعائية بين أسلوبيه الأمريكي والعبري، حاملًا بُعدًا رمزيًا، وكأنه يُضفي على الاتفاق طابعًا مقدسًا، ويُمهّد الطريق لتطبيع يتجاوز السياسة ويُعيد تشكيل الهويات. لكن هذا الشرق الأوسط الجديد يُعاد تشكيله خلف الكواليس.
لا يزال يُقصي الكورد من هذا الحق، رغم أنهم أثبتوا قدرتهم على إدارة مناطقهم، وحماية حدودهم، وبناء مؤسساتهم ببراعة، دون خبرة. المشكلة ليست في نقص المهارات، بل في غياب الإرادة الدولية للاعتراف بحقوق شعب كوردستان، وضعف النشاط السياسي للوبي الكوردي، والمسؤولين، والقيادة، الذي لم يصل ربما بعد إلى مستوى بناء الدولة.
ويبقى التساؤل.. هل حان الوقت لشرق أوسط جديد؟!
الشرق الأوسط الجديد ليس وهمًا إعلاميًا، بل واقع يتحرك ببطء وعفوية، في انتظار لحظة نضج. لكن السؤال الحاسم يبقى غامضًا: هل سيصل شعب كوردستان إلى بناء وطنهم هذه المرة؟ يعتمد الجواب على قدرة الكورد أنفسهم على تجاوز انقساماتهم، وتوحيد صفوفهم، والانتقال إلى مرحلة المقاومة للارتقاء بمستوى البناء.
بين أوهام سايكس بيكو وواقع الشعب الكوردستاني المؤجل، ثمة فرصة تاريخية ذهبية لا ينبغي تفويتها مرة أخرى.