نوري جاسم
لطالما كانت فكرة “المدينة الفاضلة” هاجسًا إنسانيًا عابرًا للحدود والثقافات، لكنها اتخذت في الفكر الكُوردي، وخصوصًا في أدبياته الفلسفية، ملامحًا فريدة تنبع من خصوصية المعاناة والبحث المستمر عن الحرية والكرامة. ولم تكن المدينة الفاضلة لدى الأدباء الكُورد يوتوبيا طوباوية عائمة على سطح الخيال، بل كانت صرخة روحية، وجدلًا عقلانيًا في قلب الألم الوجودي لشعبٍ يقاوم النسيان.
في الإرث الثقافي الكُوردي، لا يمكن تجاوز بصمة الشعراء الفلاسفة الذين حوّلوا الحلم السياسي إلى تجلٍ أدبي راقٍ. أحمد خاني [ 1650 _ 1707, م ] في ملحمته ( مم و زين ) لا يقدّم قصة حب فقط، بل يُشيِّد مدينة فاضلة في الحلم، تقوم على العدل، وتكسر جدران القهر الطبقي والسلطوي. فالمدينة التي يستحقها “مم” و”زين” ليست قائمة في الواقع، بل في انكسارات القلب الباحث عن عدالة سماوية تهبط إلى الأرض.
ملا احم الجزري [ 1570 _ 1640 م ] من جانبه، نسج فلسفته على خيوط التصوّف، وبحث عن الكمال في المحبة الكونية، المدينة الفاضلة لديه ليست في عمرانها، بل في إنسانها المتطهّر من الأنا، المتسامح، الحامل للنور في داخله. أما فقيه طيران المعروف بمير محمد [ 1590 _ 1660 م ] فكان يرى أن المدينة الفاضلة تنبع من الفرد، من رقيّه الأخلاقي وفهمه للوجود، لا من أنظمة تُفرض عليه من فوق…
اللافت أن الأدب الكُوردي، سواء الشفاهي أو المكتوب، كان دائمًا حارسًا لذاكرة المدينة الفاضلة. لم تكن تلك المدينة مجرد فكرة مستوردة من أفلاطون أو الفارابي، بل كانت صيغة محليّة من الحنين إلى العدل، اشتبكت مع الجبال، ومع الأغاني، ومع القصائد، ومع المقاومة. في كل قصة شعبية كُوردية، هناك حلم مبطّن بمكان مثالي، حيث لا خيانة، ولا ظلم، ولا استبداد.
الفلاسفة الكُورد لم ينظروا إلى المدينة الفاضلة كترفٍ فكري، بل ضرورة وجودية. وما تزال هذه المدينة قائمة في النصوص، في الحكايات، في الزفرات الشعرية، تنتظر يومًا أن تتحوّل من رمز إلى جغرافيا. وقد يكون هذا الانتظار نفسه ضربًا من الفلسفة.
كل مدينة تنبع من الحلم، لا تموت.
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .