متابعة ـ التآخي
تشكل الأنهار المناظر الطبيعية، وتحمل المغذيات، وتدعم الحياة البرية، وتربط الناس ببعضهم البعض. لكن اليوم، تشهد الأنهار تغيرات مقلقة – تجف في أماكن عديدة وتفقد إيقاعها الموسمي.
في يوم الأنهار العالمي، نتذكر أن الأنهار نظم حية، ورفاهها مرتبط ارتباطا وثيقا برفاهنا نحن البشر.
يُحتفل بهذا اليوم سنويا في الرابع من ايلول، اذ تتوقف المجتمعات حول العالم للاحتفال بالأنهار والاعتراف بالضغوط المتزايدة التي تواجهها.
تشير دراسة حديثة إلى أنه بحلول عام 2100، قد يواجه نحو 850 مليون شخص نقصا في الوصول إلى مياه الأنهار. استخدم الباحثون نماذج متقدمة لنظم الأرض (CMIP6) لمحاكاة كيفية تغير تدفق المياه في أحواض الأنهار الكبرى نتيجة تغير المناخ.
قاد فريق من جامعة نورث إيسترن الدراسة على 30 من أكبر أحواض الأنهار في العالم، بما في ذلك الأمازون والنيل والجانغس والبراهماپوترا. تشير النماذج الأكثر موثوقية إلى أن 40% من هذه الأحواض ستشهد انخفاضا في تدفق المياه بحلول نهاية القرن.
حتى مع خفض الانبعاثات بشكل كبير، تشير النماذج إلى أن مئات الملايين سيواجهون نقصا في مياه الأنهار. يوضح المؤلفون: “وجدنا أن 500 مليون شخص سيتأثرون بدلا من 900 مليون، لكن توافر المياه سينخفض في مناطق معينة”.
انخفاض مياه الأنهار يعني تقليل الري، وزعزعة إمدادات الشرب، وانخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية. في المناطق الضعيفة أصلا، قد تكون النتائج وخيمة.
عادة ما تتبع الأنهار نمطا موسميا سنويا، الثلوج، الأمطار، المواسم الممطرة والفترات الجافة تشكل نمطا متوقعا. لكن تغير المناخ يزعزع هذا النمط.
تشير دراسة من جامعة ليدز إلى أن نحو 21% من الأنهار شهدت تغييرات كبيرة في توزيع تدفق المياه عبر المواسم. وفي المناطق الشمالية – أمريكا الشمالية، أوروبا، وأجزاء من روسيا – يصبح هذا التغيير أكثر وضوحا. تتلاشى الفروق بين التدفق المرتفع والمنخفض.
التغيرات مقلقة لأن العديد من الكائنات تعتمد على المؤشرات الموسمية للتكاثر والهجرة والنمو. تقول الدكتورة ميجان كلار، المشاركة في الدراسة: “تقدم مستويات المياه العالية والمنخفضة إشارات حيوية للكائنات المائية.
على سبيل المثال، يستخدم عديد الأسماك الزيادة الموسمية في المياه كإشارة للسباحة نحو مناطق التكاثر. إذا فقدوا هذه الإشارات، فلن يستطيعوا التكاثر.
وأظهرت دراسة من جامعة بنسلفانيا أن موجات الحرارة النهرية تتزايد بمعدل أسرع مرتين إلى أربع مرات من موجات الحرارة الجوية في التكرار والشدة والمدة.
تشير الدراسة إلى أن أنهار الولايات المتحدة تشهد نحو11 يوما إضافيا سنويا فوق 15 درجة مئوية، وهو الحد الذي يبدأ فيه الضغط على الكائنات المائية.
تصبح الظروف حرجة عند تجاوز 20 درجة مئوية، حيث يمكن أن يؤدي الجمع بين الحرارة الشديدة وانخفاض التدفق إلى تقليل الأكسجين، وإجهاد الحياة المائية، وحتى نفوق جماعي للأسماك.
في سلسلة جبال بروكس بألاسكا، اكتشف الباحثون أن ذوبان التربة المتجمدة يحول 75 جدولا إلى اللون البرتقالي. المعادن مثل الحديد والألمنيوم والكادميوم تُطلق أحيانا بما يزيد عن الحدود السامة، ما يشبه تأثير تصريف المعادن الحمضية في المناجم، لكن من دون وجود منجم.
يعمل الباحثون عالميا على رسم خريطة الضغوط على الأنهار لتوجيه جهود حمايتها. في الصين، يؤثر النمو الحضري والسدود وتغير هطول الأمطار على نهر هان، بينما تظل العديد من الأنهار العابرة للحدود غير مدروسة.
هناك أمثلة على التعافي: إزالة السدود في نهر إلوا بواشنطن أعادت أسماك السلمون وتدفق الرواسب، وإدارة التدفقات الذكية في السويد وفرت التوازن بين الطاقة الكهرومائية والحياة البرية. حتى في المدن، يمكن للتصميم البيئي إعادة الحياة للجداول المهملة، مما يثبت أن التجدد ممكن إذا تحركنا لحماية الأنهار.
بدأ الاحتفال الأول في كولومبيا البريطانية عام 1980، على يد الناشط البيئي مارك أنجيلو، وتوسع لاحقا ليصبح عالميا في 2005، متزامنا مع مبادرة الأمم المتحدة “المياه من أجل الحياة“. منذ ذلك الحين، يشارك آلاف الأشخاص حول العالم في الاحتفال بالأنهار وحمايتها.
ويحدث جفاف الأنهار بسبب عوامل متعددة تشمل انخفاض هطول الأمطار، زيادة التبخر، تغير المناخ، وزيادة الطلب على المياه للاستعمالات البشرية المختلفة. وقد أظهرت تقارير جديدة أن عام 2023 شهد مستويات جفاف غير مسبوقة في الأنهار عالميا. هذا النقص يؤثر سلبا على المجتمعات والزراعة والنظم البيئية، ويتسبب في زيادة في هجرة السكان، وندرة الغذاء، وارتفاع أسعار المحاصيل.
يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدل تبخر المياه من الأنهار، كما تسهم في تغيرات بأنماط تساقط الأمطار والثلوج. و عندما تتلقى منطقة ما أمطارا أقل من المعتاد لمدد طويلة، تزداد احتمالية الجفاف.
ومع تزايد عدد السكان، يزداد الطلب على المياه في الزراعة والصناعة والاستعمالات المنزلية، مما يضع ضغطا كبيرا على موارد المياه المتاحة، وتعد الأنهار الجليدية مصدرا مهما للمياه العذبة في العديد من المناطق، ولكنها تتعرض لخسارة كبيرة في كتلتها الجليدية بسبب ارتفاع درجات الحرارة، حسب تقرير الأمم المتحدة.
ان انخفاض مستوى المياه في الأنهار يؤدي إلى فقدان التنوع البيولوجي وتآكل التربة، وتتأثر الإنتاجية الزراعية بشكل كبير، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المحاصيل ونقص الغذاء؛ ويقلل انخفاض تدفق الأنهار من كمية المياه المتاحة للمجتمعات، مما يزيد من الضغط على إمدادات المياه العالمية.
ويؤثر الجفاف على محطات الطاقة الكهرومائية التي تعتمد على تدفق المياه لتوليد الكهرباء.
ومن أمثلة الجفاف العالمية أوروبا، فقد شهدت موجة جفاف شديدة في السنوات الأخيرة، أثرت على أنهار رئيسة مثل الراين والبو والتايمز، مما استلزم تقييد استهلاك المياه.
وفي العراق، تواجه أنهار دجلة والفرات خطر الجفاف بسبب انخفاض حصص المياه وزيادة الطلب عليها، مما يهدد استقرار وأمن البلاد. وفي الولايات المتحدة،تجف ضفاف نهر كولورادو الرئيسي، الذي يعتمد عليه ملايين الأشخاص في المكسيك والولايات المتحدة للشرب والزراعة والكهرباء.