خوشناف سليمان
لم تكن زيارة أحمد الشرع إلى نيويورك مجرد حدث بروتوكولي. بل لحظة فارقة على مفترق طرق الشمال الشرقي السوري حيث تتقاطع المصالح الدولية مع إرادة مكونات المنطقة المتنوعة. الرجل الذي كان يومًا مطلوبًا لدى الولايات المتحدة. يقف الآن على منبر الأمم المتحدة كرئيس انتقالي. مصافحًا الرئيس الأمريكي. ليعلن عن إعادة سوريا إلى المجتمع الدولي. لكن خلف هذا المشهد الدبلوماسي تتكشف تعقيدات الواقع على الأرض حيث يقف سكان شمال شرق سوريا كوردًا وعربًا و سريانًا و إيزيديين و تركمان. أمام تهديدات حقيقية تتعلق بمصيرهم السياسي و العسكري.
زيارة الشرع لم تكن مجرد محاولة لاستعادة الشرعية الدولية. بل كانت أيضًا رسالة ضمنية لكل من يقيم في شمال شرق سوريا.. القوات المحلية مطالبة بالاندماج في الجيش السوري. و إلا فإن الخيارات العسكرية و الضغوط التركية ستدخل حيز التنفيذ. هذا الخطاب لم يكن تحذيرًا عابرًا. بل إعلانًا صريحًا بأن السلطة الانتقالية لن تتسامح مع أي مشروع سياسي مستقل عن دمشق.
لكن الواقع في شمال شرق سوريا يعكس قوة مغايرة للتهديدات. قوات سوريا الديمقراطية (SDF) بدعم من التحالف الدولي. أثبتت على مدى سنوات أنها ليست مجرد قوة عسكرية. بل عمود فقري لاستقرار المنطقة. مدافعة عن جميع المكونات. من العرب إلى السريان و الإيزيديين و الكورد. و مؤمنة بحماية المدنيين و مكتسباتهم. بيشمركة روج آفا. على وجه الخصوص. تمثل ذراع القوة المنظمة للكورد. و هي قوة مدربة و مسلحة بأسلحة دفاعية متقدمة. ليس فقط لحماية الأرض. بل لضمان استمرار قدرة الكرد على المشاركة في إدارة المنطقة ضمن توازن يحفظ الحقوق لجميع المكونات.
زيارة الشرع إلى نيويورك كانت متزامنة مع تحركات على جبهات أخرى. أبرزها المفاوضات مع إسرائيل برعاية أمريكية. التي هدفت إلى ضبط الحدود الجنوبية و خفض التصعيد. مع وضع ضمانات لحماية الأقليات. لكن هذا المسار لم يكن بعيدًا عن التناقض.. ما يُعرض في الأمم المتحدة من خطاب دبلوماسي يبدو متناغمًا. بينما الواقع على الأرض يتشكل تحت ضغط على القوى المحلية محاولًا فرض الاندماج القسري و تهديد مكتسبات الشمال الشرقي خصوصًا الكرد الذين يقودون المقاومة ضمن قوات منسقة تضم كل المكونات.
المشكلة الأساسية تكمن في تفاصيل الدمج.. قبول قوات سوريا الديمقراطية بالاندماج الكامل في الجيش السوري من دون ضمانات سياسية سيؤدي إلى فقدان الصلاحيات المحلية التي بنتها المنطقة عبر سنوات الحرب. بينما الرفض يضع المنطقة أمام خطر التصفية أو المواجهة المباشرة. الاتفاق الموقّع بين الشرع و مظلوم عبدي في مارس الماضي يحدد الإطار العام للدمج المدني و العسكري. لكنه يترك تفاصيل التنفيذ غامضة. ما يفتح الباب للتأويل والاختلاف. و يزيد من التوترات داخل المجتمع المحلي الكردي و بين المكونات الأخرى.
في هذا السياق. تبرز بيشمركة روج آفا كرمز للدفاع. لكنها ليست وحدها في المعركة. العرب. السريان. الإيزيديون
التركمان. جميعهم شاركوا في الدفاع عن المنطقة. في بناء مؤسسات مدنية. و في حماية مكتسبات الشمال الشرقي من التهديدات العسكرية والسياسية. هذا التنوع هو ما يجعل الشمال الشرقي فريدًا ومتماسكًا رغم الضغوط. و يعطيه القدرة على الصمود أمام أي محاولة لفرض إرادة خارجية.
المستقبل القريب يحمل تحديات كبيرة: مهلة ديسمبر التي أعلنها الشرع للاندماج قد تتحول إلى اختبار حقيقي. و تركيا تراقب. و واشنطن تتابع. و دمشق تحاول فرض شروطها. لكن المكون الكردي بقيادة بيشمركة روج آفا بالتنسيق مع باقي المكونات. يملك القدرة على فرض توازن يضمن استمرار حماية الشمال الشرقي. و يحول أي تهديد إلى فرصة لترسيخ حقوقهم ومكتسباتهم.
وفي الختام. يبقى الشمال الشرقي السوري أكثر من مجرد أرض.. هو مساحة دفاعية و مكتسبات سياسية لمجتمع متنوع. يقوده الكرد و القوات المنسقة بين جميع المكونات. أي تهديد من حكومة الشرع أو أي قوة خارجية لن يقلل من حقهم في الصمود. بل يزيد الحاجة إلى الوحدة والتنسيق بين كل الأطراف المحلية. بيشمركة روج آفا وقوات سوريا الديمقراطية. إلى جانب العرب و السريان و الإيزيديين و غيرهم يشكلون ضمانة لحماية مكتسبات المنطقة و حقوق سكانها. و هي القوة الحقيقية التي يمكنها أن تكتب مستقبل الشمال الشرقي بعيدًا عن الإملاءات الخارجية وابتزاز القوى المركزية.