شيرزاد نايف*
ليس كل نار تُحرق، فهناك نارٌ تُضيء الدروب وتردع العتمة. تلك هي نار البيشمركة؛ شعلةٌ أبدية لم تنطفئ في ليل كردستان الطويل، وحين تمدد وحش الإرهاب ليبتلع الخرائط، كان أول ما اعترضه هو لهب المقاتلين الكرد. لقد خرجوا من صميم الجبال، لا يحملون سلاحًا فحسب، بل يحملون معنى أن يعيش شعبٌ بلا انكسار، وأن تبقى فكرة الحرية عصيةً على الفناء.
من يقرأ تاريخ كردستان لا يراه كسردية عابرة لجبالٍ وعصور، بل كجمرٍ يتّقد تحت رماد لا يخمد. وفي قلب هذه الملحمة تقف قوات البيشمركة، لا كقوة عسكرية فقط، بل كروح جماعية متجذرة في فلسفة الوجود الكردي؛ فلسفةٍ ترى في الدفاع عن الأرض أكثر من واجب، بل قدَرًا وجوديًّا يحدد معنى البقاء.
كلنا نعلم حين اجتاح الإرهاب حدود العالم الحديث متجسدًا في تنظيم داعش، بدا وكأن الخرائط مرشحة للانهيار. عندها لم تكن البيشمركة مجرد جنود على خطوط النار، بل كانت أشبه بجدار كونيٍّ أقيم في وجه الفوضى. لقد قاتلوا لا ليحموا جبال كردستان وحدها، بل ليمنعوا الهاوية من ابتلاع العراق والمنطقة وربما الضمير الإنساني بأسره.
لكن المفارقة المرة تكمن في أن هؤلاء الذين قدّموا أنفسهم قربانًا للحرية، وجدوا أنفسهم بعد كل معركة أسرى التهميش السياسي. وكأن التاريخ أراد أن يكتب بطولة البيشمركة بحبرٍ باهت، فيما كان الأحق أن يُسطَّر بدم غليظ من الاعتراف والإنصاف. هكذا تحوّل المشهد إلى تناقض صارخ: قوةٌ تحرس العالم، وعالمٌ يتجاهلها عمداً.
لقد أظهرت التجربة أن البيشمركة لم يكونوا “جيشًا إقليميًا”، بل فكرة فلسفية عن معنى أن يقف الإنسان أمام قدره. إنهم إرادة الكرد وقدرهم، تمامًا كما قال كامو: “بين الاستسلام والتمرّد، يولد المعنى.” البيشمركة اختاروا التمرّد على الفناء، لكنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة صمتٍ دولي يبدّد المعنى.
الدعم الذي جاء من بعض القوى العظمى، مثل الولايات المتحدة، لم يكن سوى إسعافٍ مؤقت، مرهون بحسابات الميدان، بينما اختارت بقية القوى الكبرى أن تدفن رأسها في رمال مصالحها. وهكذا أصبح البيشمركة ـ وهم الذين حملوا العالم على أكتافهم في لحظة الانهيار ـ مجرّد “مقاتلين أوفياء” في نظر السياسة، دون أن يقطفوا شيئًا من ثمار التضحية.
الفاجعة هنا ليست عسكرية بل وجودية. إن نيتشه حين حذّر من أن “من يحارب الوحوش عليه أن يحذر ألّا يتحول هو نفسه إلى وحش” كان يقصد هذا النوع من المفارقات. فالبيشمركة قاتلوا وحش الإرهاب نيابة عن العالم، لكنهم وُوجهوا بوحش التهميش السياسي، وهو أفتك لأنه ينخر الذاكرة والمعنى.
إن القضية الكردية لم تعد سؤال حدود أو سلاح، بل صارت سؤال عدالة وضمير. وكما قال الفيلسوف الكردي ملاي جزيري: “العدل تاج الملوك، والظلم قبر الأمم.” البيشمركة منحوا العالم تاج العدل في أصعب لحظاته، لكن السياسة دفعتهم نحو هوامش التاريخ، حيث يُمحى الأبطال بينما يبقى الطغاة في مركز المشهد.
وهكذا تتجسد المأساة في سؤال أبديٍّ مفتوح: إلى متى ستظل نار البيشمركة تُدفئ العالم، بينما يُترك رمادها للريح كي تنثره سياسات المصالح الضيقة؟
* إعلامي في قوات البشمركة