المزايدات الانتخابية على القضية الكوردية في العراق لمصلحة من ؟

سردار علي سنجاري

تُعد القضية الكردية من أكثر القضايا إثارة وأعقدها في السياسة العراقية منذ تأسيس الدولة الحديثة. كثيرًا ما تُستخدم هذه القضية من قبل الأحزاب العربية العراقية كأداة سياسية ووسيلة للمزايدة في الحملات الانتخابية، أو في المواقف السياسية والمصالح الحزبية الضيقة . والقضية الكوردية في العراق تحديدا مرت بالكثير من المراحل المؤلمة وشهدت الكثير من الأزمات الإنسانية والسياسية بسبب عدم تفهم الطرف الاخر لحقوق الكورد المشروعة ضمن مشروع وطني عراقي واحد يشمل جميع المكونات ويخرج العراق من ازماته المحلية والإقليمية التي سببتها السياسات العربية العراقية الغير مسؤولة باتجاه الكورد والعرب سواء.
لا يخفى على أحد أن الكورد منذ سقوط نظام البعث البائد سنة 2003 لعبوا دورا هاما ومحوريا في الحفاظ على وحدة العراق وتحملوا الكثير من الأعباء السياسية والاقتصادية والاجتماعية بسبب تخبط السياسة العراقية وعدم استقرارها وافتقارها للمشروع الوطني الواضح.
شارك الكورد في صياغة الدستور العراقي الذي عرف بإقليم كوردستان كجزء من هيكل فيدرالي وتم حسب مواد الدستور (113-121) منح شعب اقليم كوردستان حقوقا في الحكم الذاتي والثروات . ولكن بالتطبيق العملي لهذه الحقوق ظل محاطا بالخلافات وبالأخص فيما يتعلق بالمادة 140 وكذلك في قضايا مثل النفط التي تم التوصل اخيرا إلى اتفاق قد ينهي هذا الملف الشائك بين الاقليم والمركز وان تلتزم بغداد ببنود الاتفاق وعدم استخدام رواتب موظفي الاقليم كورقة ضغط سياسية في المستقبل .
ان الاتفاق حوّل نفط اقليم كوردستان قد يسد احد أبواب الانتقادات من قبل الاحزاب العربية العراقية التي طالما استخدمت هذا الملف كورقة ضغط على الاقليم واستخدمتها كمادة انتخابية او سياسية .

بعد إسقاط نظام صدام حسين 2003 دخلت الأحزاب العربية العراقية الحديثة العهد بالسياسة والسلطة والحكم في منافسة كبيرة على السلطة، وغالبًا ما استخدمت القضية الكوردية كأداة لشد الانتباه أو لكسب أصوات بعض المحافظات العربية . وقد رفعت بعض الاحزاب العربية شعارات تنافي الدستور العراقي الذي اكد على وحدة العراق وشعبه وعدم المساس بأي مكون سياسي او قومي او ديني . والهدف من تلك الشعارات كان لإثارة الفتنة والمزاح العربي ضد الكورد .
وقد حاولت بعض الاحزاب العربية في إلقاء اللوم على الاقليم في الأزمات الاقتصادية والمالية لتبرير فشلها السياسي والاقتصادي والفساد في ادارة شؤون الدولة.
وقد استغلت بعض الاحزاب العربية صلاحياتها ونفوذها في البرلمان لسن قوانين تحدّ من صلاحيات الاقليم او تقيد تعاملاته النفطية .
وكما هو معروف ان الحكومة العراقية وبتحريض من قبل بعض الاحزاب العربية المهيمنة على القرار التشريعي استخدمت رواتب موظفي اقليم كوردستان والميزانية كوسيلة ضغط غير منصفة ولا إنسانية على الاقليم .
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية بدات بعض الأبواق الحزبية العربية وبالأخص في المناطق المختلطة مثل نينوى وكركوك وصلاح الدين وديالى
استخدام القضية الكوردية حيث يتم استثمار الخوف من الضم الكوردي لكسب الأصوات . هذا الأسلوب الذي لم يجدي نفعا مع الحكومات العراقية السابقة التي كانت اكثر هيبة وأكثر نفوذا وسلطة وشعبية .

قد تكون دوافع بعض الاحزاب العربية العراقية في المحافظات العربية التي تشعر بالقلق والتوتر او التهديد إلى استخدام أسلوب المزايدات على تحفيز القاعدة الانتخابية العربية ضد الكورد كوسيلة للحصول على المزيد من الأصوات والفوز بالانتخابات. وترى بعض الاحزاب العربية العراقية ان الاقليم بدأ يخطي خطوات عملية في النمو الاقتصادي مما قد يشكل عائقا أمام تحقيق التوازن بين الاقليم والمناطق الأخرى من العراق .
ان المزايدات قد تُسهم في تعطيل الحوار بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان، مما يؤدي إلى صدامات سياسية أو اقتصادية. وكذلك تودي إلى إضعاف الثقة بين الجانبين ويعزز الشعور عند الكورد بأن قادة العراق العرب يعاملونهم كمكسب انتخابي او رقة سياسية مما يساهم في إضعاف فكرة التعايش والمصالحة .
ان استخدام الورقة الكوردية في المزايدات الانتخابية يضعف البناء الوطني وقد يؤدي إلى تأجيج النزاعات البينية في المناطق المختلطة مما يؤدي إلى تفاقم الأوضاع السياسية والاجتماعية في تلك المناطق وهذا لا يخدم فكرة بناء الوطن الواحد . وكذلك التركيز على المزايدات الحزبية بدلا من الحوار البناء قد يعيق تنفيذ المشاريع التنموية في البلاد سواء في الاقليم او المركز .

في بعض الحملات الانتخابية في محافظات كـ نينوى و كركوك استخدمت بعض الأحزاب العربية شعار ( حماية الهوية العربية ضد الطموح الكوردي ) . وفي المقابل نجد الاحزاب الكوردية في تلك المناطق تحمل شعار التاخي والتعايش السلمي والعمل المشترك من اجل بناء دولة قوية تضمن حقوق جميع المواطنين والمكونات .
العراق يمرّ بمراحل صعبة ويحتاج إلى حلول وطنية تعيد مكانته التاريخية والحضارية والاقليمية إلى الواجهة . وبدلا من المزايدات التي لا تخدم مصالح الشعب العراقي على الاحزاب العراقية العربية تفعيل آليات الحوار الوطني والدستوري وإرساء الشفافية من اجل توافق وطني واسع وكذلك بناء خطاب وطني يعلّي من قيمة التنوع الكوردي العربي ويقلل من خطاب العداء .
الأوطان تبنى بالتفاهم والمحبة وتقبل الاخر لا بالمزايدات الحزبية التي تنتهي صلاحياتها عند انتهاء الانتخابات .

قد يعجبك ايضا