ملتقى أربيل الدولي للتعايش السلمي والمجتمعي

حيدر فليح الشمري

عندما تتشابك خيوط الأزمات وتتداخل الأصوات المتنافرة، يظل حلم الإنسان الأكبر هو أن يعيش بسلامٍ آمنٍ، تحت سماء واحدة، على أرضٍ واحدة، بلا خوفٍ ولا قلق، ومن رحم هذا الحلم، ووسط الجراح المفتوحة التي تركتها الحروب والانقسامات، انبثق ملتقى أربيل الدولي للتعايش السلمي والمجتمعي، ليكون أشبه بواحة خضراء في صحراءٍ عطشى، حيث تجتمع فيه الطاقات الإنسانية والفكرية لتؤكد أن الوحدة لا تعني ذوبان الاختلاف، بل أن التنوع هو ما يمنح الشعوب قوتها وثراءها.

احتضنت مدينة أربيل هذا الملتقى بوجهها الحضاري، وبتاريخها العريق الذي يشهد على أنها كانت وما زالت أرضًا للقاء الحضارات، نظمته (أكاديمية سنبلة الدولية للتدريب والتطوير)، فكان منصة جمعت الأكاديميين والإعلاميين، القضاة ورجال العدل، المثقفين والقيادات المجتمعية، جميعهم تلاقوا على مائدة الفكر ليبحثوا في معنى واحد عميق: كيف نحيا معًا بسلام؟

لم يكن اللقاء مجرد كلماتٍ تُلقى أو شعاراتٍ تُرفع، بل كان بحثًا صادقًا في جوهر التعايش، فقد قُدمت محاضرات توعوية تناولت كيفية نبذ التفرقة، وكيف يمكن لمكونات الشعب العراقي أن تتخطى الانقسامات، لتبني معًا جسورًا من الثقة والاحترام المتبادل، لقد كان الملتقى مدرسةً صغيرة في الإنسانية، تعلم فيها الحضور أن السلام ليس مجرد غيابٍ للحرب، بل هو حضورٌ للعدالة، ورسوخٌ للكرامة، وإصرارٌ على أن يكون الإنسان قيمة عليا لا تهتز تحت أي عاصفة.

ولعل ما ميّز الملتقى أنه لم يغفل دور الأفراد البسطاء، بل ركّز على أن السلام يبدأ من الداخل، من البيت والشارع والمدرسة، قبل أن يكون شعارًا سياسيًا أو قرارًا دوليًا، فالمجتمع بكل أطيافه ومكوناته، هو صانع الاستقرار وحارس التنمية المستدامة، ومن دون ثقافة تعايشٍ راسخة تبقى كل خطط المستقبل مجرد أحلام على الورق.

لقد جسّد الملتقى صورة العراق التي نتمناها جميعًا، عراق يتسع لكل أبنائه بلا تمييز، عراق يرى في قاضيه ورجل عدله وإعلاميّه وأكاديميّه جسرًا للوعي، لا متراسًا للفُرقة. فكان حضور القضاة ورجال وزارة العدل في إقليم كردستان بمثابة رسالة واضحة أن القانون حين يتزين بروح العدالة يصبح سندًا للسلام، وأن الكلمة حين تصدح من قلبٍ مخلص تصبح طريقًا يضيء عتمة الخلاف.

إن ملتقى أربيل لم يكن مجرد حدثٍ عابر، بل كان نداءً متجددًا لكل إنسانٍ في هذه الأرض، تعالوا ننسج معًا خيوط الغد المشرق بروح التعاون والمحبة والتآخي ، فقد جمع الملتقى القلوب قبل أن يجمع العقول، وأطلق رسالة صافية تقول :
إننا رغم الجراح قادرون على أن نعيش معًا، ونحلم معًا، ونبني معًا مستقبلًا يستحقه العراق وأهله. سوف يظل هذا الملتقى شاهدًا على أن الأمل ممكن، وأن السلام ليس حلما بعيدًا بل خيارًا يوميًا، يبدأ من احترام الآخر، ويكبر كلما اتسعت صدورنا لتقبل اختلافه، وكما نسجت أربيل خيوط هذا اللقاء، فإنها تترك للعراق كله درسًا خالدًا:

((الوحدة في التنوع هي طريقنا إلى الغد الآمن والمستقر)).

قد يعجبك ايضا