د . صباح ايليا القس
لم تقتصر المجون في العصر العباسي على بغداد فقط اذ كانت تشاركها مدن اخرى مثل البصرة والكوفة ودمشق وغيرها من المدن التي وفد اليها المهاجرون من الامصار الاخرى .
لكن بغداد بوصفها في منتصف العراق وما تشتمل عليه من مواصفات فهي مركز الخلافة واليها يتوافد الشعراء وغيرهم من الادباء واصحاب الحاجات كذلك توافد عليها الباحثون عن العمل اذ اصبحت بغداد مركز استقطاب للكثير من المهن والوظائف بسبب المركز الاداري كذلك الوفرة المالية التي انهالت عليها من الامصار فامتلأت الخزائن وشعر الناس بالرخاء والرفاه مما دفع الناس الى البحث عن الملذات والسهرات لاسيما على نهر دجلة في ايام الصيف .. وقد دفع الى ذلك ايضا الاستقرار السياسي مما شجع التجار على استيراد كل ما يخطر ولا يخطر على البال لاسيما استيراد الجواري والغلمان وتعليمهم الغناء والموسيقى والرقص والفنون الاخرى لقضاء الليالي الملاح بما فيها من طرب ومغنين وموسيقيين وراقصين ولابد أن يكون الخمر سيد الاقداح .. ولم يقتصر ذلك على مجالس الخلفاء والامراء والقادة والسادة بل شجعه هؤلاء على قيام بعض الناس بافتتاح الخمارات وشاع بيع وشرب الخمر الذي يصنعونه او يشترونه من الاديرة القريبة ..
هذا التوافد البشري جعل من بغداد مستقرا لعدد غير قليل من الناس من اغلب الاجناس وكل واحد ينقل حضارة بلده فتزاوجت وامتزجت الطبائع فصارت بغداد مدينة حضارية بالمفهوم المعاصر تعيش حالة التعدد فشاع اللهو والترف والاسراف والملذات فتفاعل بعض الشعراء مع هذا الجانب لا بل اسرف بعضهم في المجون مثل بشار بن برد وابي نواس وامثالهم الكثير ..
نظرا لزيادة عدد الجواري والغلمان فقد صارت هناك سوق تعرف بسوق النخاسة والقائمون عليها هم النخاسون الذين يتاجرون بالجواري والغلمان وهم من يحددون الاسعار حتى انهم شجعوا بل وعلموا الجواري والغلمان فنون الخدمة والطبخ وإدارة المنزل كذلك علموا من هم على درجة من الجمال الغناء والعزف والرقص وشاعت هذه التجارة اذ لكل مهنة وجمال ثمن وارباح للنخاسين المتاجرين بهم او بهن ..
فاذا تعدى هؤلاء حدود المهن البسيطة ظهرت بؤرة الرذيلة والمفاسد وانتشرت الخلاعة التي استهواها بعض الشعراء مثل سيد شعر المجون ابي نؤاس ومثله بشار بن برد وهناك مجموعة من شعراء تلك المرحلة اغراهم الحال فاندفعوا بقوة نحو الشذوذ ما يعطي انطباعا عن حياة اجتماعية ابتعدت عن القيم الاخلاقية التي عرفها المجتمع العربي .
يقول ابو نواس :
ومِلْ الى مجلس على شــرف بالكرخ بين الحديقمعتمــــــدِ
ثم اصطبح من أميرة حجبت عن كل عين بالصون والرصدِ
شرف = مكان مرتفع , اصطبح = اشرب الخمر صباحا .
شاع شعر الخمر والغلمان والمجون لان بعض الامراء ساعدوا على نشره بتقريب الشعراء الماجنين واغداق المال عليهم وصرف الامراء المال الوفير على هذه الطبقة فضلا عن المغنين والعازفين والراقصين اذ كانت الليالي الملاح وبغداد التي تسهر للصباح في البحث عن اللذات في الشعر والغناء والرقص والاقداح .