أ.د.خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر
في مثل هذا اليوم من عام 1930، شهدت مدينة السليمانية واحدة من أكثر الصفحات سواداً في تاريخها الحديث، حينما أقدمت الحكومة العراقية آنذاك على ارتكاب مجزرة دامية بحق أبناء المدينة الذين خرجوا في تظاهرة سلمية مطالبين بحقوقهم القومية.
خرج أهالي السليمانية في تظاهرة حضارية حملت شعارات مكتوبة باللغة الكوردية، في خطوة رمزية أكدت على إصرارهم على جعل اللغة الكوردية لغة رسمية في المحاكم والمدارس، إلى جانب المطالبة بأن يكون المسؤولون من أبناء المنطقة أنفسهم. كانت تلك المطالب تعكس تطلعات شعب يتوق للعدالة والكرامة، ورفع صوته بوسائل سلمية وحضارية.
لكن بدلاً من الإصغاء لصوت المواطنين، لجأت السلطات العراقية إلى أسلوب القمع والعنف، ففتحت قواتها النار على المتظاهرين العزل، مما أسفر عن سقوط عدد من الشهداء وإصابة واعتقال آخرين. هكذا تحوّل اليوم الذي بدأ بنداء للحرية إلى مأساة إنسانية لا تزال راسخة في الذاكرة الجمعية للكورد.
سُجّلت تلك الأحداث لاحقاً في التاريخ الكوردي تحت اسم “اليوم الأسود”، ليكون شاهداً على قمع الأصوات الحرة، ودليلاً على معاناة الكورد في سعيهم لنيل أبسط حقوقهم القومية والإنسانية.
لم يكن ذلك اليوم حدثاً عابراً، بل نقطة فارقة في مسار العلاقة بين الكورد والدولة العراقية الناشئة آنذاك، إذ كشف عن حجم الهوة بين تطلعات الشعب الكوردي وسياسات التهميش والإنكار التي مورست ضده.
إحياء ذكرى “اليوم الأسود” في السليمانية ليس مجرد استعادة لماضٍ أليم، بل هو تذكير للأجيال بضرورة التمسك بالحقوق، والإصرار على النضال السلمي كخيار استراتيجي. كما أنه مناسبة لتأكيد أن العدالة والاعتراف بالهوية واللغة والحقوق القومية ليست منّة، بل حقوق طبيعية لا يمكن مصادرتها بالقوة.
لقد جسّد “اليوم الأسود” في السليمانية عام 1930 بداية لمسار طويل من المعاناة التي عاشها الكورد في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة.
فمن القمع والإنكار في العقود الأولى، مروراً بالمجازر والتهجير والأنفال، وصولاً إلى سياسات التهميش وقطع الرواتب في الحاضر، ظلّت الحقوق الكوردية رهينة التجاذبات السياسية.
لم يتغير جوهر المأساة كثيراً؛ إذ ما زال الكورد يواجهون أشكالاً مختلفة من الإقصاء وغياب العدالة.
إن استذكار تلك الأحداث المؤلمة يثبت أن معاناة الأمس لم تنته بعد، بل أخذت صوراً جديدة مع مرور الزمن.
ويبقى الأمل معقوداً على وعي الأجيال وإصرارهم على أن تكون العدالة والحرية واقعاً لا شعاراً في مستقبل العراق.