نوري جاسم …
في تطور لافت ومقلق، أطلقت الأمم المتحدة ، السبت 30 أغسطس 2025، تحذيرًا شديد اللهجة بشأن تفاقم ظاهرة الفساد في العراق، معتبرةً أنه بات يشكل تهديدًا فعليًا لمؤسسات الدولة واستقرار المجتمع. جاء ذلك خلال مؤتمر مكافحة الفساد المنعقد في جامعة وارث الأنبياء بمحافظة كربلاء، وسط حضور رسمي وأكاديمي واسع. وهذا التحذير الأممي من فساد “خطير جداً” صرح به محمد الحسان، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق بقوله ( أن الفساد في العراق بلغ مستويات “خطيرة جداً”، لا تقتصر على الحقل السياسي، بل تمتد لتشمل البُنى المالية والإدارية والقضائية والعلمية والمؤسسية ) وقد شدد الحسان على أن الفساد لا يهدد فقط مؤسسات الدولة، بل يُقوّض الثقة بين المواطن والحكومة، ويُعطل التنمية، ويحرم العراقيين من الخدمات الأساسية التي يستحقونها، معتبرًا أن مكافحة الفساد واجب ديني وأخلاقي قبل أن تكون مسؤولية قانونية. والحقيقة المؤلمة أن الفساد في العراق بلغ أرقام صادمة ومرعبة، حيث ان العراق اصبح في مؤخرة مؤشرات النزاهة بين دول العالم، وكشفت منظمة الشفافية الدولية عن تصنيف العراق في المرتبة 140 من أصل 180 دولة ضمن مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، مسجلًا 26 نقطة من أصل 100 فقط، وهو ما يعكس حجم التحديات التي يواجهها البلد في ترسيخ معايير الحوكمة الرشيدة والشفافية. وإن جهود أممية تلذل لمواجهة الأزمة التي تهدد اي جهود لبناء العراق، وقد استعرض الحسان جانبًا من نشاطات بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (UNAMI) في هذا الملف، حيث تم تنفيذ عدة برامج تهدف إلى تعزيز استقلالية الهيئات الرقابية، ورفع كفاءة أجهزة القضاء والنزاهة، وإطلاق منصات إلكترونية لتعقب قضايا الفساد، وإشراك المجتمع المدني في الرقابة والمساءلة، وقد أشار الحسان إلى تعاون مستمر بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والسلطات القضائية العراقية لإنتاج تقارير دقيقة حول المحاكمات المتعلقة بالفساد، حيث لوحظ تصاعد في ملاحقة مسؤولين من ذوي المناصب العليا، وتحسن في نتائج المحاكمات مقارنة بالسنوات السابقة، ولكن هنام انتقائية في متابعة ملفات الفساد، وليس الجميع بمقياس واحد، والسياق الأوسع هو فساد ممنهج يعوق التنمية في كل مجالات الحياة في العراق، وليست هذه هي المرة الأولى التي تُطلق فيها الأمم المتحدة صافرة الإنذار، فقد وصفت رئيسة بعثة UNAMI السابقة، جينين هينيس‑بلاسخارت، في مناسبات سابقة، الفساد في العراق بأنه “مستشري وممنهج”، يعوق الإصلاح الاقتصادي، ويضعف الثقة المحلية والدولية، ويجعل بيئة الاستثمار طاردة. ولعل أكثر ما يعكس تعقيد المشهد هو غياب المساءلة الفعّالة، وتسييس ملفات النزاهة، إضافة إلى استمرار ضعف الشفافية في توزيع الموارد، خاصة في قطاعات النفط، العقارات، والمشاريع الكبرى. وقد شجع منتدى عربي على الحلول الإقليمية، ففي أكتوبر 2024، استضافت بغداد المنتدى العربي للمساءلة والشفافية بمشاركة 29 دولة، بالتعاون بين UNDP ومنظمة الشفافية الدولية. حيث تضمن المنتدى توصيات جوهرية أبرزها توسيع نطاق الحوكمة الإلكترونية، وحماية المبلغين عن الفساد، وتمكين الشباب والنساء في أطر المساءلة، وإطلاق منصة رصد شفافية إقليمية مشتركة، وتوصيات أممية لمكافحة الفساد في العراق، واختتمت بعثة الأمم المتحدة بيانها اليوم بعدد من التوصيات العملية التي من شأنها، إذا طُبّقت، أن تُحدث نقلة نوعية في مسار مكافحة الفساد وهي كما يلي :
1. تعزيز دور القضاء والمساءلة دون تمييز أو تسييس .
2. استقلالية مطلقة للهيئات الرقابية بعيدًا عن التأثيرات الحزبية .
3. توسيع الشفافية باستخدام التكنولوجيا الحديثة .
4. بناء شراكات حقيقية مع منظمات المجتمع المدني .
5. إشراك فاعل للشباب والنساء في بيئة صنع القرار .
العراق اليوم أمام لحظة مفصلية؟ لأن تحذير الأمم المتحدة يجب أن لا يُقرأ كتصريح إعلامي، بل فرصة ذهبية أخيرة لاستدراك واقع يهدد كيان الدولة العراقية من الداخل. إذ بات من الواضح أن محاربة الفساد لم يعد ترفًا إداريًا أو شعارًا سياسيًا، بل معركة وجود تتطلب الإرادة، الشجاعة، والعمل المؤسسي الشامل. وما لم تتوفر إرادة سياسية حقيقية وإجماع وطني على تفكيك منظومات الفساد، فإن العراق سيبقى رهينة قوى تعطل نهوضه، وتُفقر شعبه، وتُبعده عن مسار التنمية المستدامة ومواكبة تطور البلدان، ٩تى يكون العراق في موقعه الذي يستحقه بين الأمم ..
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …