احمد زبير باني
ليست باريس مدينةً عادية؛ فهي فضاء رمزي للفكر والحرية والثورة. أن يُسمّى شارع وحديقة عامة في قلبها باسم “الپيشمرگه” هو أكثر من قرار إداري أو التفاتة بروتوكولية، بل هو فعل فلسفي يضع التضحية الكوردية في حوار مباشر مع الضمير الإنساني العالمي.
الپيشمرگه، الذين يعني اسمهم “مواجهة الموت”، هو تجسيد لجوهر السؤال الوجودي: ماذا يعني أن يختار الإنسان الفناء ليمنح الحياة لغيره؟ أليست هذه اللحظة عينها ما وصفها ألبير كامو حين قال إن “الإنسان لا يجد ذاته إلا في مقاومة العبث”؟ فالپيشمرگه واجهوا عبث الاستبداد والإرهاب، وحوّلوا موتهم إلى معنى، وتضحياتهم إلى حياة.
وإذا كان جان بول سارتر قد رأى الحرية مسؤولية، فإن تجربة الپيشمرگه تعكس هذا المعنى بأوضح أشكاله: الحرية ليست شعاراً بل عبئاً، ثِقله لا يُحتمل إلا حين يُحمل على أكتاف رجال ونساء نذروا حياتهم ليصونوا حرية شعبهم.
إن تخليد هذا الاسم في باريس يُدخل القضية الكوردية من جغرافيا الجبال والوديان إلى فضاء العالمية، ويحوّل التضحية من سردية محلية إلى ذاكرة مشتركة للإنسانية. هنا، يصبح الشارع نصاً مفتوحاً: كل مَن يمر به سيقرأ – دون أن يدري – درساً عن معنى الفداء، عن كيف يصير الدم لغةً تتجاوز القوميات والحدود.
أما حضور الرئيس مسعود بارزاني لهذا الافتتاح، فهو ليس مجرد مشاركة سياسية، بل هو تجسيد لجسرٍ رمزي بين تاريخ الكفاح الكوردي واعتراف العالم بهذا الكفاح. فباريس لم تكرّم شعباً وحسب، بل كرّمت فكرة: أن الحرية تستحق أن يُضحّى من أجلها، وأن الأسماء التي تولد في التضاريس الوعرة يمكن أن تُزهِر في ساحات الحضارة الغربية.
هكذا يصبح “شارع الپيشمرگه” حدثاً فلسفياً قبل أن يكون سياسياً: إنه إعلانٌ أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يقدّم، وأن الموت حين يُختار في سبيل قضية عادلة يتحوّل إلى خلود. إنها رسالة تقول للعالم: التضحية الكوردية لم تكن صدى عابراً في الجبال، بل ستبقى صدىً ممتداً في قلب أوروبا.
إن أسماءً كتبت بالدم لا تُمحى بالزمن، و”الپيشمرگه” سيبقون دليلاً على أن الحرية حين تُروى بالتضحية، تزهر في قلب الإنسانية جمعاء.