نوري جاسم ..
من طرائف كتب الأدب والنحو، أنّ نحويًّا سأل رجلًا من البسطاء، ما فعل أبوك بحماره؟ فأجابه الرجل قائلاً: باعِه (بكسر العين). فصحح له النحوي: قل باعَه (بفتح العين)، لأن الفعل لا يُكسر على هذا الوجه. فابتسم الرجل وردّ بحسٍّ ساخرٍ: ولِمَ قلتَ أنتَ بحمارهِ؟ فقال النحوي: لأن الباء تجرّ ما بعدها. فارتجل الرجل جوابه البليغ الذي تحوّل إلى مثل: أتجعل باءَك تجرُّ وبائي لا تجرُّ؟! وهذه الطرفة اللغوية البسيطة حملت في طيّاتها معنى عميقًا، حتى خرجت من حدود النحو إلى فضاء الحكمة، وصارت تُضرب مثلاً كلما وُجد الكيل بمكيالين، أو استُخدمت المعايير بازدواجية. فهي تذكير بأن القواعد لا ينبغي أن تكون مطبقة على بعض الناس بصرامة، وعلى آخرين بتساهل، وإلا سقط ميزان العدل، وضاعت القيم. وإنّ الخلق القويم في مقاييس الحياة يقوم على ميزان واحد، ميزان لا يفرّق بين الناس بحسب قربهم أو بعدهم، غناهم أو فقرهم، جاههم أو بساطتهم. فكما أنّ حرف الجر يجرّ كل ما بعده بلا استثناء، فكذلك يجب أن تَجُرّ القوانين الأخلاقية الجميع، بلا محاباة ولا استثناءات. أما حين تُطبَّق على بعض وتُهمل عند بعض، فإننا نقع في ما عبّر عنه المثل: باؤهم تجر وباؤنا لا تجر. وألعدل الحقيقي لا يعرف الأسماء، ولا يميز بين الألقاب، ولا يُمالئ الأقوياء على حساب الضعفاء. في الحياة اليومية نرى صورًا متكررة من ازدواجية الموازين: موظف يُحاسَب على دقائق التأخير، بينما آخر يُعفى مهما طال غيابه. فقير يُدان على خطأ صغير، وغني يُبرَّر له خطأ أكبر.
كلمات تُعتبر ذنوبًا عند البعض، وتُعدّ شجاعة عند آخرين. وكل هذه المظاهر تذكّرنا بجوهر المثل: أنّ الباء يجب أن تجرّ الجميع، فلا تكون جارةً عند فلان، ومعطّلةً عند علان. والحياة الخلقية السليمة تقوم على مبدأ الثبات: أن يُعامل الناس على قاعدة العدل والإنصاف، لا على أهواء ومصالح. فمن جعل “باءه تجر” و”باء غيره لا تجر”، فقد فتح باب الظلم، وزرع الشك في القلوب، وأضعف ثقة الناس بالقيم.
وهذه الطرفة لم تبقَ في حدود النحو، بل تحولت إلى حكمة تُضيء طريق الحياة. إنها تكشف عن حقيقة مريرة: أنّ الناس كثيرًا ما يزنون بميزانين، فيكون القانون على البعض سيفًا قاطعًا، وعلى البعض الآخر مطية رخوة. وهنا يظهر جوهر المثل: باؤهم تجر وباؤنا لا تجر. ولكن حين ننظر إلى هذا المعنى بعين الروح، نرى أنه أعمق بكثير من مجرّد نقدٍ لازدواجية المعايير. ففي المدرسة الروحية العرفانية، تُقاس القلوب بالكلمات وبالعدل الذي يسكنها. والعدل هو صفة من صفات الله، فإذا اختلّ في حياة البشر، اختلّت أنوار قلوبهم. إنّ من يجعل “باءه تجر” و”باء غيره لا تجر” إنما يعكس نفسًا مائلة عن الصراط، لأن الروح العادلة ترى الجميع بعين واحدة، وتزنهم بميزان الحق، لا بميزان الهوى. وهذا يعلّمنا أن القاعدة الذهبية في السلوك هي المساواة في النظر إلى الخلق: لا فرق بين قوي وضعيف، ولا بين قريب وبعيد، ولا بين غني وفقير. إنّ “الباء” هنا رمز للقانون الكوني: أن تسري الرحمة على الجميع، وأن يجري الحق على كل إنسان. فإذا عطّلنا هذا الميزان، وقعنا في الظلم، وهو حجاب يحجب القلب عن النور. وحين يطبّق الإنسان الأخلاق على غيره وينسى نفسه، يكون كمن يجعل باءه تجر وباء غيره لا تجر؛ أي كمن يفتح باب التناقض والازدواجية. لكن العارف الصادق، حين يزن، يبدأ بنفسه، ويشدد عليها أكثر مما يشدد على الآخرين. فالمعيار ليس الكلمات التي تخرج من الألسن، بل الصدق الذي يسكن الصدور. وفي زمننا اليوم، نحن أحوج ما نكون إلى هذه البصيرة : أن يكون معيارنا ثابتًا، وأن تكون باؤنا جميعًا تجر. أي أن يسري العدل على الجميع، بلا استثناء ولا تحيز. فهذا هو العدل الروحي الذي يرضي الله، ويمنح القلب صفاءً، ويقيم المجتمع على المحبة والإنصاف، والمثل الذي بدأ من طرفة نحوية، أصبح حكمة عرفانية: إياك أن تجعل باءك تجر وباء غيرك لا تجر. اجعل ميزانك واحدًا، وكن عادلًا في نفسك ومع غيرك، لتبقى في دائرة النور، حيث تتساوى القلوب أمام الحق، وحيث يصبح الإنسان مرآة لصفة الله: العدل. فالحياة أجمل حينما تكون باؤنا جميعًا تجرّ، أي حينما تسري القوانين والأخلاق والمعايير على الجميع بعدلٍ واستقامة. ذلك هو المقياس الحقيقي للخلق، وتلك هي القاعدة الذهبية التي تجعل المجتمعات صافية، والعلاقات نقيّة، والقلوب مطمئنة.
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..