دخولٌ خفي وخروجٌ قسري
بقلم : د ابراهيم احمد سمو
(إضاءة خافتة… رجل وحيد في منتصف الخشبة، بيده عصا قديمة يتكئ عليها. يتحدث إلى الجمهور وكأنه يخاطب نفسه)
الرجل:
جاء من الشباك… وخرج من الباب.
(يصمت لحظة، يضحك بمرارة)
غريبة، أليست كذلك؟! كأن العالم كله صار لعبة أبواب وشبابيك.
(يتقدّم خطوة للأمام)
لكن… ماذا لو جاء بالعكس؟ ماذا لو دخل من الباب… وخرج من الباب؟!
أو ماذا لو دخل وحيدًا… ثم خرج جماعة؟
ماذا لو دخلنا اثنين… وخرجنا آلافًا؟!
آهٍ يا زمن… كل شيء صار ممكنًا… حتى المستحيل صار ضيفًا عاديًا.
(يتنهد، يلوّح بعصاه)
سمعت مرة جارنا القديم يقول لي:
لو أنه دخل من الباب، لاستُقبل بحفاوة… و لخرج من الباب، لوُدِّع بالحب نفسه.
(يقلّد صوت الجار ببطء)
نعم… قالها وهو يتألم، وصوت الحسرات يتسلّل من بين ضلوعه.
فعاتبته… قلت له:
ـ لماذا لم تكمل معروفك؟ لماذا لم تُنهِ الموضوع كما يجب؟! لماذا تركت الأبواب نصف مفتوحة، والأحلام نصف ميتة؟!
(يصمت لحظة، يضع يده على قلبه)
كان يتألم… يتألم بصوتٍ سمعته أنا وحدي…
(يقلّد صوت الجار بحزن)
ـ يا صديقي… من جاءنا من الشباك طردناه. ألا يكفي أننا لم نقتله في الحال؟!
أي قرابة؟! لا قرابة بيننا… هذه الأيام الناس يفتحون الشبابيك كالأبواب… يبدّلونها متى شاءوا. شبابيك اليوم لا تُحصى… تُفتح وتُغلق في لمح البصر…
(يضحك ساخرًا)
تسمعون؟! اعترف الرجل… لا فرق عنده اليوم بين الباب والشباك…
كلها تحولت إلى فتحة لبيع التذاكر!
(بغضب)
تذاكر يا سادة!
تذكرة للدخول… وتذكرة للخروج…
ولا أحد يسأل: بأي حق دخلت؟ وبأي حق خرجت؟
(يتقدّم نحو المقدمة، يخاطب الجمهور مباشرة)
جارنا القديم يصرّ:
ـ إن جاءنا من الباب… استقبلناه.
ـ وإن جاءنا من الشباك… رفضناه.
(يرفع إصبعه محذرًا)
لكن بشرط… أن يطرق الباب بأدبٍ وأصول.
أما أنا؟
(يرفع صوته فجأة)
أنا أقسمتُ أن أشاركه هذه المرّة… أن أطرد كلّ من يتسلل إلينا خلسة!
(إضاءة أوسع… الرجل يجلس على كرسي خشبي، يتحدث وكأنه يحاور شبحًا غير مرئي)
الرجل:
أتعرف يا جاري؟ الباب ليس مجرد خشب ومفصلات… الباب قانون، الباب شرف، الباب هو الطريق الوحيد ليعرف الناس أنك جئت وجها لوجه.
أما الشباك؟!
فهو خديعة… التفاف… كذبة تسلّل بها اللصوص والمتسلقون.
لكن… (يصمت لحظة)
ما أصعب أن ترى الناس يخلطون بين الباب والشباك…!
كلاهما صار عند البعض مجرد فتحة عبور… كلاهما صار وسيلة بلا معنى…
(يقف فجأة، يصرخ)
لا!
الباب… باب!
والشباك… شباك!
إن ساوينا بينهما ضاعت القيم، وسقطت الهيبة، وصارت البيوت بلا أسرار.
(يعود للهدوء)
جارنا القديم… ظلّ يردد كلماته:
“لم نقتله في الحال… طردناه فقط… ألا يكفي هذا؟!”
لكنّي كنت أصرّ على شيء آخر:
أن نغلق الشبابيك، أن نحصّن الأبواب، أن نتفق على أصول لا نتهاون بها.
(ينظر إلى السقف، كأنه يخاطب السماء)
أيها الباب! كم مرة صرت شاهدًا على أقدامٍ شريفة طرقَتك بأدب… ففتحتَ لها صدر الدار؟
وكم مرة صرت شاهدًا على غزاةٍ كسَروا هيبتك… فدخلوا بلا إذن، وسرقوا كل شيء؟!
(يتقدم ببطء نحو الجمهور، كأنه يفضي بسرّ)
الحقيقة يا سادة… ليست في الباب ولا في الشباك…
الحقيقة فينا نحن!
نحن الذين سمحنا… نحن الذين سكتنا… نحن الذين تاجرنا بفتحات بيوتنا… حتى صار الدخول والخروج تجارة.
(يصمت طويلًا، ثم يجلس على الأرض)
جارنا القديم؟!
مات منذ سنين… لكن صوته لم يمت.
لا يزال يهمس لي كل ليلة:
يا صديقي… الأبواب للأحرار… والشبابيك للمتسللين.
(ينهض ببطء، يواجه الجمهور للمرة الأخيرة)
إذن…
إن جاءوا من الباب، سنستقبلهم بالكرامة…
لكن إن تسلّلوا من الشباك… فلن يكون لهم مكان بيننا.
(بصوت حازم)
هذه المرة… لن أرحمهم.
(إضاءة تنطفئ تدريجيًا… ويبقى صوته يتردد في الظلام:)
لا فرق بين الباب والشباك… إلا في الكرامة.