د. أيوب صابر گلالي
كثيرة هي الأشياء التي تحتاج إلى الإصلاح أو الترميم لكي تظهر صورتها ومنظرها في أجمل الأشكال، فالبيوت العتيقة والقديمة تحتاج إلى الترميم والتصليح، والمركبات التي تلاقت ضربات أو خدوش نتيجة الاصطدامات المرورية بحاجة ماسة إلى إعادة تصليحها، حتى الإنسان نفسه يحتاج إلى إعادة النظر في أعضاء جسمه وهيكله فلربما هو بحاجة إلى ترميمات وتصليحات لكي يكون أكثر قبولاً وملاءمة أمام أنظار الآخرين.
هذه هي طبيعة الأشياء الملموسة والمرئية التي لا يمكن الاستغناء عن وجودها ووظيفتها الأساسية الحيوية، فما بالك بوظيفة كيان أو مؤسسة ما؟
حديثنا عن الكيان العراقي ووضع البلاد المتردي الذي يمر من سيء إلى أسوأ في جميع نواحيه: الوضع السياسي المتأزم بين جميع المكونات – دون استثناء – والوضع الاقتصادي والاجتماعي السيئان، البطالة المتفشية، الفقر المدقع، شحة المياه وتوفيرها للمواطن المغلوب على أمره، رداءة الطاقة الكهربائية، والفساد المتفشي في جميع أنحاء الدولة ومؤسساتها الحكومية. إذ إن العراق وحسب ما جاء في بيانات مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 من منظمة الشفافية الدولية، الذي يقيم مستويات الفساد في 180 دولة حول العالم، حصل على المرتبة 140 في المؤشر، والذي بدوره أثر تأثيرًا سلبيًا كبيرًا على جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأثر أيضًا بشكل مباشر على المواطنين وقوّض الثقة في المؤسسات الرسمية للدولة.
هذا بالنسبة لما يتعلق بالشأن الداخلي، أما ما يخص الشأن الخارجي للدولة وعلاقاتها مع المجتمع الدولي بشكل عام فلا تقل رداءتها عن الوضع الداخلي وإن ظهر العراق بصورة عكس ذلك ليبدو وكأنه على أفضل حال، فالعراق وإن يحاول تحقيق توازن دقيق في علاقاته الدولية لكنه في الوقت نفسه يعاني من تحديات خارجية تجعل تأثيره الإقليمي محدوداً. والتحسن الاقتصادي والأمني قد يعززان مكانته شيئًا ما لكن ذلك مرهون بالإصلاحات الداخلية وتقليل التدخلات الخارجية.
هناك تحديات رئيسة تجعل العراق يُصنف على أنه لا يزال غير مستقر ويعاني من هشاشة وضعه السياسي والاقتصادي والأمني منها:
أولاً: الاستقرار الداخلي وما يتعلق بالخلافات السياسية بين الكتل المتنافسة والمكونات الموجودة، خاصة الخلافات القائمة بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، حيث لا تزال الأخيرة – ولسنوات عديدة – تمارس سياسة لا دستورية وهي تجويع مواطني الإقليم عن طريق قطع المستحقات المالية من الموازنة الاتحادية، ومنها رواتب الموظفين، الأمر الذي أثر تأثيرًا كبيرًا على الوضع الاقتصادي للإقليم بشكل عام.
ثانياً: ضعف الخدمات والفساد، فالمجتمع الدولي يطالب العراق بإصلاحات سياسية واقتصادية لمكافحة الفساد، وهو شرط أساسي لزيادة الاستثمارات الخارجية في البلاد التي تشهد أضعف مستوياتها.
ثالثاً: النفوذ الخارجي، حيث يتعرض العراق لضغوط من قوى إقليمية وخارجية مما يؤدي إلى استقطاب داخلي بين الأحزاب والكتل السياسية الموالية لهذه القوى، وكذلك ما يتعلق بالتواجد الأجنبي الموجود في العراق وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية. فالعلاقات مع أميركا والدول الغربية لا تزال تواجه تحديات جمة على أرض الواقع. صحيح أن هناك دعمًا دوليًا محدودًا في عدة جوانب للعراق، لكن هذا الدعم مشروط بضغوط لتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية في البلاد.
رابعاً: الأزمات الاقتصادية المرتبطة بالاعتماد الكبير على النفط وعدم تنويع الاقتصاد، يعتمد العراق بشكل كبير على تصدير النفط مما يجعله لاعبًا مهمًا في السوق العالمية إلا أن الفساد المستشري في كافة مرافق الحياة جعله يُصنف من الدول المتخلفة مقارنة بالإيرادات الضخمة والهائلة التي تحصل عليها العراق من الريع النفطي والتي تبلغ مئات المليارات من الدولارات.
خامساً: التهديدات الأمنية وما يتعلق ببقايا تنظيم داعش ونشاطات الميليشيات المسلحة الموجودة، فعلى الرغم من هزيمة داعش ودحره إلا أنه لا تزال هناك تهديدات أمنية من الجماعات المسلحة مما يؤثر على ثقة المجتمع الدولي بالعراق.
هذا بالإضافة إلى الكثير من العوامل الأخرى يجعل العراق بحاجة إلى ترميم وإصلاحات جذرية متكاملة في الداخل والخارج ليجعله جسرًا متينًا بين القوى الإقليمية والعالمية، لكن افتقاره لمعالجة هذه الأزمات وعدم مواجهته الجدية للتحديات جعلته يراوح مكانه ليقدم خطوة للأمام وعشرات الخطوات إلى الوراء.