التنوع العراقي كنز حضاري ..

نوري جاسم

في تلك الأرض التي بنيت عليها حضارات العالم الأولى، حيث كتبت الألواح السومرية أول أبجدية، وغنّى النهران دجلة والفرات نشيد الخلود على ضفاف أور ونينوى وبابل، لم يكن العراق يومًا بلدًا ذو لون واحد، بل كان ولا يزال، رقعة فسيفساء تمتد من الجبل حتى السهل، من السنديان الكوردي في الشمال إلى النخيل البصري في الجنوب، ومن ملح الأنبار إلى زعفران كركوك، عراقًا يتنفس بتعدد لهجاته، ويصلي بلغاتٍ مختلفة لربٍ واحد،
لكن، هل ما كان يومًا مصدر غنى، صار اليوم عبئًا؟ هل تحوّل هذا التنوع الذي رصّع تاريخنا إلى قنبلة موقوتة تهدد حاضرنا ومستقبلنا؟
أم أننا، نحن، من خنق هذا الجمال في قوالب السياسة الضيقة، وأسقطناه في هاوية الطائفية والتمييز والتخندق؟ والتنوع ليس لعنة… بل هو امتحان الوعي، هو المرآة التي تعكس مدى نضج المجتمع، وعمق إدراكه لقيمة الاختلاف كأداة للبناء لا للهدم، ومن يفهم التنوع بوصفه تهديدًا، لم يخرج بعد من شرنقة العصور المغلقة، والتعدد المذهبي، القومي، اللغوي، الديني، هو أعظم ما تركه لنا التاريخ، لنرتقي به، فنحوّل الخلاف إلى حوار، والاختلاف إلى تكامل، والحدود النفسية إلى جسور وجدانية، وحين نتأمل في عمق هذا التنوع، نجده مشبعًا برمزية روحية لا تضاهى،
فكما أن الكون قائم على التنوع ليل ونهار، ذكر وأنثى، شمس وظل، فكذلك الأوطان،
العراق لا يكتمل بطيف واحد، كما لا تكتمل السماء بدون ألوان غروبها، والهوية العراقية ليست قالبًا جامدًا، بل نسيجًا من الأرواح المتعانقة، والمذاهب المتجاورة، والثقافات المتحاورة، التي إن اجتمعت، أشرقت، والتاريخ يشهد بأن العراق حين يُجمع، يبدع، وحين يُجزأ، يضيع، وحين تصعد روح التآخي إلى مقام العمل، لا تبقى لغة الانقسام سوى صدى في وادٍ مهجور، وإن أعظم نهضة عراقية قادمة، لن تولد من رحم الأغلبية أو حكم القوة، بل من مصالحة الروح العراقية مع ذاتها المتعددة، ولعل الخطوة الأولى في هذا الطريق الطويل، تبدأ بأن نعيد تعريف أنفسنا، لسنا سنة ولا شيعة، لسنا عربًا فقط ولا كردًا أو تركمان، لسنا مسلمين فقط ولا مسيحيين أو صابئة أو إيزيديين، بل نحن: عراقيون….
عراقيون بالهوية، بالوجدان، بالدموع التي سالت سواسية، وبالأمل الذي لا زال مشتركًا رغم شدة الظلام….
فهل نعيد للتنوع مكانه الطبيعي؟
هل نحرس هذا الكنز الحضاري من الأيادي التي تحاول تفجيره؟
هل نستبدل لغة الخوف بلغة الحب، ونرسم مستقبلنا بريشة التعدد، لا بسكين الانقسام؟
العراق، يا من كتب على ترابه الأنبياء، وسجد على أرضه الأولياء، لا يليق بك أن تمزقك أيدي الجهل والفرقة، وأنت ابن النور والحكمة والخلود. ..
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا