من السليمانية إلى سنجار: الكورد ضحايا متكرّرون لفكر التطرف والإقصاء

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر

في تاريخ الشعوب، ثمة أيام سوداء لا تُنسى، تتحوّل إلى جراح مفتوحة في الذاكرة الجمعية. وللشعب الكوردي، تاريخ حافل بهذه الأيام المؤلمة. ولعلّ السادس من أيلول عام 1930 والثالث من آب عام 2014 يشكّلان لحظتين مفصليتين تكشفان الوجه البشع للفكر الإقصائي، سواء أكان باسم الدولة أو الدين.

في السادس من أيلول 1930، خرج الكورد في مدينة السليمانية بمظاهرة سلمية يطالبون فيها بحقوقهم الثقافية والقومية، في زمن كانت فيه الدولة العراقية الفتية تمارس قمعها باسم “الوحدة” و”السيادة”. واجهت قوات العسكر والشرطة العراقية تلك الجموع بالرصاص الحي، فسقط مدنيون عُزّل، وتم اعتقال عشرات الشباب وتعذيبهم. لم تكن تلك الحادثة الأولى في مسلسل القمع، لكنها شكلت صدمة سياسية وأخلاقية في وجدان الكورد، ورسّخت شعوراً عميقاً بالخذلان والظلم من قبل الدولة المركزية.

بعد أكثر من ثمانين عاماً، وفي الثالث من آب 2014، شهد التاريخ يوماً أسود آخر، هذه المرة في سنجار، المدينة الكوردية ذات الأغلبية الإيزيدية، عندما اجتاحها تنظيم داعش الإرهابي. ارتكب التنظيم مجازر مروّعة بحق المدنيين، فقتل الآلاف وخطف أكثر من 7000 امرأة وطفل، في واحدة من أبشع جرائم الإبادة التي عرفها العصر الحديث. هذه المرة، لم تكن الدولة هي القاتلة المباشرة، لكنها كانت الغائبة – عن عمد أو عجز – ما سمح لقوى الظلام أن تملأ الفراغ بعنفها المقدس.

ورغم اختلاف الجاني بين الحالتين – دولة مركزية متسلطة في الأولى، وتنظيم إرهابي متطرف في الثانية – إلا أن الضحية واحدة: الكورد، الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة القمع القومي وسندان التطرف الديني. في كلتا الحالتين، لم يكن الكورد طرفاً في الصراع، بل كانوا هدفاً له، لأنهم يمثلون، بثقافتهم وهويتهم، نقيضاً لكل فكر شمولي لا يحتمل التنوع ولا يقبل بالاختلاف.

إن ما جرى في السليمانية عام 1930 وما تكرر في سنجار عام 2014 يكشف عن منطق متجذر في بنية السلطة والمجتمع العراقيين، يقوم على نفي الآخر حين يطالب بحقوقه، وقمعه حين يُصرّ على هويته. هذا المنطق، سواء تجلّى في ثوب العسكر أو اللحية الطويلة، هو فكر متطرف، لا يختلف في جوهره وإن اختلفت وسائله.

اليوم، وبعد مضي أحد عشر عاماً على كارثة سنجار، وخمسة وتسعين عاماً على قمع مظاهرة السليمانية، لا يزال الشعب الكوردي ينتظر اعترافاً كاملاً بما تعرض له من مظالم، وعدالة حقيقية تردّ له شيئاً من الكرامة المسلوبة. كما أن هذه الذكرى المزدوجة يجب أن تكون دعوة صريحة لكل القوى العراقية – السياسية والدينية والمدنية – لإعادة النظر في خطابها، وتفكيك كل ما يحرّض على الكراهية القومية والدينية، والاعتراف بأن التعدد هو ثروة لا تهديد، وأن الكورد ليسوا مشكلة بل شريك أصيل في بناء عراقٍ عادل وآمن.

إن تكرار المأساة لا يعني اعتيادها، بل يفرض علينا مسؤولية تاريخية في كسر هذه الحلقة الجهنمية من الإنكار والإبادة. فالكورد، في السليمانية أو سنجار، لم يكونوا يوماً دعاة حرب، لكنهم ظلوا دوماً ضحايا لفكر لا يعترف إلا بالقوة، ولا يرى في المختلف سوى خصم يجب إسقاطه أو نفيه أو إبادته.

قد يعجبك ايضا