أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر
لطالما عُرف العراق بتعدديته الحضارية والثقافية، لكن ما يبدو اليوم أن هذه التعددية تحولت من مصدر إثراء إلى عامل تصادم، بسبب غياب مشروع وطني حقيقي يُؤمن بالتنوع بوصفه ركيزة للوحدة لا تهديدًا لها. وفي ظل تصاعد الأزمات الهوياتية، تطرح الضرورة نفسها لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمكونات الثقافية بما يضمن احترام التعدد والتعايش السلمي.
إن العراق ليس دولة ذات لون ثقافي واحد، بل فضاءٌ معقّد من اللغات، والأديان، والمذاهب، والعادات. فمن العرب إلى الكورد، ومن التركمان إلى الآشوريين والكلدان، ومن المسلمين إلى المسيحيين والإيزيديين والصابئة، تترابط جميعها بخيوط التاريخ المشترك والأرض الواحدة. غير أن هذا التنوع ظلّ مشوّهًا تحت تأثير المركزية الثقافية والنزعة الأحادية في تعريف الهوية الوطنية.
عبر عقود، مارست الدولة العراقية أشكالًا متعددة من التهميش الثقافي، سواء من خلال تغييب اللغات غير العربية عن المناهج الدراسية، أو من خلال التمثيل الرمزي الأحادي في الإعلام والسياسة والثقافة. وما هذا إلا انعكاس لما يسميه بيير بورديو بـ”العنف الرمزي” الذي يُمارَس بلا دماء، لكنه يُخلّف شرخًا عميقًا في شعور الانتماء.
رغم أن الدستور العراقي لعام 2005 أقرّ بوضوح بكون العراق بلدًا متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وأكد على احترام اللغة الكوردية كلغة رسمية ثانية، إلا أن التطبيق ظلّ محدودًا. فلا تزال المؤسسات الثقافية مركزية، ولا تزال الهيمنة اللغوية والدينية قائمة في أغلب مفاصل الدولة، دون ترجمة فعلية للفصل الدستوري الخاص بالحقوق الثقافية.
تغيب عن صناع القرار في العراق قناعةٌ راسخة بأن الثقافة قادرة على أن تكون عنصرًا حاسمًا في بناء السلام. فالحروب لا تبدأ بالأسلحة بل بخطابات الإلغاء، والسلام لا يتحقق فقط بالاتفاقات السياسية، بل بالاعتراف بالآخر المختلف واحترام رموزه ولغته وموروثه. من هنا، فإن تطوير سياسات ثقافية وطنية شاملة بات ضرورة لا ترفًا.
إن ما يحتاجه العراق ليس مجرد خطاب تسويقي عن التعددية، بل مشروعًا ثقافيًا تأسيسيًا، يُعيد بناء العلاقة بين الدولة والمكونات الثقافية على أساس الشراكة والاحترام المتبادل و إنشاء مجلس وطني للتنوع الثقافي و دعم اللغات المحلية في التعليم والإعلام و إدماج الثقافة الكوردية والتركمانية والسريانية في المناهج.
لن يتحقق الاستقرار السياسي دون مصالحة ثقافية شاملة. فثقافة الاعتراف، لا ثقافة الإلغاء، هي الطريق نحو عراق تعددي مزدهر. ومن دون مشروع ثقافي وطني حقيقي، سيظل التنوع عبئًا لا رافعة. آن الأوان للانتقال من الاعتراف النظري إلى التجسيد الفعلي للثقافة بوصفها ركيزة للهوية الوطنية.
إن الاعتراف الحقيقي بالتنوع الثقافي في العراق لا يتم بالكلمات بل بالمؤسسات والسياسات الفاعلة. فغياب العدالة الثقافية يُضعف الانتماء الوطني ويُهدد السلم الاجتماعي. ولذا، فإن بناء وطن جامع يتطلب مشروعًا وطنيًا ثقافيًا يحترم الجميع ويشركهم على قدم المساواة.