لامية العجم

 

د . صباح ايليا القس

القصائد الشعرية كانت تنسب الى قافيتها والقافية هي الحرف الاخير الذي تقوم عليه القصيدة فيقال ان هذه القصيدة بائية اذا كانت قافيتها تعتمد حرف الباء او سينية اذا اعتمدت حرف السين او لامية اذا اعتمدت حرف اللام في قافيتها ..

ذاع صيت قصيدة الشنفرى هذا الشاعر الصعلوك الجاهلي وقد سميت لامية العرب لانها تعتمد حرف اللام في قافيتها اذ تعد من عيون الشعر العربي ولا يمكن تجاوزها عند الاشارة الى اشهر القصائد الجاهلية بغض النظر عن شاعرها الصعلوك اذ تشتمل برمتها على الفخر والحكمة ونظرات وتجارب تصور السيرة الذاتية والمجتمعية لتلك المرحلة .

ولروعتها ونفاستها اطلق عليها النقاد اسم لامية العرب بغض النظر عن سلوك صاحبها الشاعر الشنفرى الصعلوك المتشرد يقول مطلعها مخاطبا ومحذرا قومه :

أقيموا بنو أُمّي صدرو مطيكم فاني الى قومٍ سواكم لأمْيلُ

فهو يحذرهم من غدر عدوهم وعليهم الاستعداد لملاقاته قبل فوات الاوان فهو على الرغم من خروجه عن طاعتهم بوصفه مشردا لكنه يبقى مخلصا لقومه بما يقدمه لهم من نصح وتحذير .

وعلى هذا النهج كتب الطغرائي قصيدة لامية بناها على وزن ( البسيط ) الشعري وقافية اللام المضمومة ولان الطغرائي اعجمي لذلك اطلق عليها النقاد اسم لامية العجم بوصفها قصيدة جميلة اشتملت على الكثير من المعاني التي جاءت بها لامية العرب .

يقول مطلع قصيدة لامية العجم :

أصالة الرأي صانتني عن الخطل وحِليةُ الحلم زانتني لدى العطل

الخطل = الخطأ , العطل = الغلط او ما هو من هذه المعاني فأصالة الرأي ورجاحة العقل صانته عن التصرفات غير المقبولة وحلية الحلم اي جمال التفكير وحسن التدبير زانته وابعدته عن المعاصي والزلات وقد جعل النقاد هذه القصيدة أثمن ما اشتمل عليه ديوان الطغرائي حتى ان كثير من الشارحين اخذوها وفصلوا معانيها التي محورها العقل والعلم والادب وكان اشهر من قام بشرحها الصفدي .

لم يقف الشعر العربي عن هذين الشاعرين اذ ان الصفدي كان اول المعجبين بها حتى انه قلدها فقال :

الجدُّ في الجدِّ والحرمان في الكسلِ فانصبْ تصِبْ عن قريب غاية الأملِ

وهي كذلك تدور في المحاور نفسها التي عالجها الطغرائي في طغيان العقل الفلسفي والتربوي التعليمي على جماليات الفن الشعري العاطفي ..

وكذلك قلدها الشاعر محمود سامي البارودي المصري فقال :

قلدّتُ جيد المعالي حِلية الغـــــــزلِ

وقلتُ في الجَدِّ ما أغنى عن الهزل

ويمكن ملاحظة الصنعة الشعرية التي تضمنت الصياغة والفكر وغابت عنها الشعرية او روح الشعر بغض النظر عن ابداعات العقل .

الجيد = العنق , الهزل = الفكاهة

بالعودة الى الطغرائي ولاميته يقول :

فيم الاقامة بالزوراء لا سكني بها ولا ناقتي فيها ولا جملي

قال هذا الكلام عندما أقالوه عن عمله وشعر بالغربة وهو في بغداد ( الزوراء ) اذ لم يعد له سكن ولا له وسيلة عيش ..

ويقول :

حُبُّ السلامة يثني همّ صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل

بعد إقالته ارتضى بالسلامة خشية الملاحقة والاذى وهذا الامر اثناه عن القيام بأي نشاط فابتعد عن طلب المعالي وارتضى بالكسل والخمول الذي لا يليق بالادباء العقلاء .

 

 

قد يعجبك ايضا