محمد علي محيي الدين
في مدينته الجنوبية الوادعة، الديوانية، حيث للحنين طعم الطين وعبق النخل، ولد صباح محسن جاسم عام 1951، وارتوى من ضفاف الفرات نبرة الشعر الأولى، وعاشقًا للكلمة، أكمل دراسته فيها قبل أن يشدّ الرحال إلى بغداد، ليتخرج من كلية الآداب – قسم اللغة الإنكليزية عام 1975، ويبدأ رحلة الشقاء والمعرفة في آن.

لم تفتح له أبواب التدريس إلا قليلاً، إذ سرعان ما أحالته رياح السياسة إلى وزارة الصناعة، لا كمهندس أو إداري، بل ككائن مشاغب بالأدب، ناقد للنمط، ومحب للناس. هناك، في زوايا الإدارات والمعامل، ظل الشاعر يحفر في صخر المعنى، يكتب القصة والمقالة، وينظم الشعر، وينقل صوت الصناعات العراقية إلى المنابر، كإعلامي ومنظّمٍ ومؤسس.
منذ بداياته، لم يكن صباح محسن جاسم مجرد اسم عابر في سجلّات الأدباء، بل سليل ثقافة موسوعية، انفتحت على العالم، فكان عضواً في اتحاد الأدباء العراقيين، ونقابة الصحفيين، واتحاد كتّاب الإنترنت العرب، وشاعرًا عالميًا معترفًا به في جمعية شعراء العالم W.P.S.، ومديرًا لفرع مؤسسة النور السويدية في بابل، ومسؤول لجنة الترجمة الأدبية في اتحاد الأدباء عام 2019.
بين الترجمة والشهادة
ما يميز جاسم، في رأي العديد من النقاد، هو هذا التوازن العصيّ بين انغماسه العميق في هموم وطنه ومجتمعه، وبين انفتاحه الرهيف على الآخر، على الثقافات، على اللغة كجسر لا كجدار. لقد ترجم شعر لورنس فرلنغيتي، وأصدر أعماله عن الشعر بوصفه فنًا متمردًا، ليؤكد أن الشعر ليس زينةً لغوية، بل موقف، وتمرد، وصرخة جمالية.
نصوصه المنشورة في أمريكا وأوروبا، منها مشاركته في “كتيبة الشعراء الثوريين” و”قلوب مشتعلة”، تثبت أنه شاعر عالمي لا تغويه الأضواء، بل تهمّه الكلمة حين تعبر الحدود وتتحدى الجدران. وقد كان ذلك جليًا في اختياره لتمثيل العراق بمهرجان سان فرانسيسكو الدولي عام 2007، حيث منع من دخول أمريكا، لكن كلمته قرئت هناك، ومنح على أثرها مفتاح المدينة، في مشهد رمزي بالغ الدلالة.
شاعر بأجنحة ترابية
يرى بعض النقاد أن صباح محسن جاسم ينتمي إلى مدرسة “التمرد الهادئ”، شاعر يلتقط التفاصيل الصغيرة، يحوّل المهمل والهامشي إلى مادة شعرية نابضة، كما في مجموعته الشعرية “هواجس دون ذاكرة”، حيث تغلب النبرة التأملية على الصراخ، ويصير النص مثل أنينٍ داخلي طويل.
في مجموعته القصصية “تلك الزهرة البرية”، كما في نصوصه النقدية، يتجلّى ولعه بالهامش – بالناس، بالأسواق، بأدب البالات، بالمهمّشين الذين صاروا أبطاله الحقيقيين. وقد كتب عنهم وعن حياتهم بأسلوب رشيق لا يخلو من فنتازيا اجتماعية مريرة.
ناشط ثقافي بلا ضجيج
لم يكن صباح مجرد كاتب، بل محفز دائم للمشهد الثقافي العراقي، ساعيًا إلى إدماج الأدب العراقي بالخرائط العالمية. وقد ساهم بإدخال شعراء عالميين إلى مهرجان المربد، منهم جاك هيرشمان وأكنتا فالك، وترجم نصوصهم، وقرأها في البصرة، كما حضّ أكنتا فالك على كتابة قصيدة رثاء للشاعر جعفر هجول، تُرجمت وقُرئت في المهرجان.
الناقد البحريني الذي كتب عنه في مجلة “البحرين الثقافية” عدد 93، في مقال بعنوان “بجمان الذي رأى نصف وجهها”، التقط تلك الميزة فيه: شاعر يرى نصف الأشياء لأنه يفضّل التأمل على المباشرة، ويترك القارئ شريكًا في بناء المعنى.
إن صباح محسن جاسم ليس شاعرًا كلاسيكيًا، ولا حداثيًا بامتياز، بل كائن لغوي يسير على تخوم النوع، يرسم بالكلمات لا ما هو كائن فقط، بل ما يمكن أن يكون. شاعر لا تكبّله المؤسسات، ولا تستغرقه الجوائز، على الرغم من نيله العديد منها في الترجمة والقصة القصيرة جداً.
هو شاعر المنافي والمدينة، الصنعة والعفوية، الذاكرة والتمرد. إنه – باختصار – أحد الأصوات الشعرية والثقافية التي لا يمكن تجاهلها في المشهد العراقي المعاصر، لا بسبب ما كتب فقط، بل بسبب ما مثّله من مقاومة ثقافية هادئة، ووعي عميق بالكتابة بوصفها موقفًا من العالم.