قِراءة نقــدية: في رواية «كولونيا الجديـدة»/2

 

إبراهيم دربات

– كولونيا الجديــدة (المستعمرة الجديدة) يقول الناقد والأكاديمي المصري د. شعبان عبدالجيد في وتقديمه للرواية :

ان كولونيا الجديــدة؛ هي الجزء الثاني رواية فجر أيلول وهي إمتداد طبيعي لها، وانها هي الأخرى رواية وثائقية وان تميزت عن سابقتها بأنها السياسية أقرب منها إلى التوثيق، وان نبرة الغضب والثورية فيها أكثر حدة وأعلى صوتًا، فالأوضاع في بلاد الكاتب تتأزم، والأمور هناك تتعقد وحياة الناس تسوء يومًا بعد يوم.

– يُصنف من نوع الأدب السياسي الذي ترجم فيها الكاتب الوضع العام لإنسان أرتيريا سياسيًا، ومناهضة الفكر الرجعي والتحيز الأيدلوجي، فالكاتب ناهض هذه الأفكار بطريقة أدبية ملحة يستلهم عقل كل قارئ ومُحب للأدب.

– الأدب السياسي هو التاريخ الحقيقي للأمة؛ والشعب، والوطن، والقيم، وليس ما يكتبه المؤرخون الذين يستمدون مادتهم من الوثائق الرسمية، بما من كذب وتزوير وتضليل.

– الرواية السياسية ( Political Novel) يُعرّف بأنها رواية فنية مثل أي رواية فنية اكتملت فيها عناصرُ التشكيل الروائي، لكنها تزيــد عليها بما تتضمنه من وجهة نظر سياسية تمثل قضية رئيسية فيها.

*قِراءة عامة:

تجليات الفِكرة الثورية في الإهــداء؛ اذا نظرنا للإهداء الذي بدأت به روايته تحمل ترسيخ المبدأ الثوري الذي يُخاطب فيها الجذور الحقيقية للأزمة، مع إعتبار ان القوة في الوعي، والضـرورة الحتمية في هـذه الحياة هي النِضال، والمسؤولية لا يمكن يـذهب الإنسان إلى الفناء دون أن يترك أثرًا قبل الرحيل.

ما جاء في الإهــداء الذي تحمل أفكارًا ثــورية خالدة يجسد المبدأ العام لشخصية الكاتب الثــوري.

– إلى حباتنا المنثــورة في كل شتات.

– إلى قناديلنا المُغطاة في الظلمات.

– إلى الراهبين في محاريب الغُربة.

– إلى الراغبين في نور الفجر.

– إلى القابضين على جمر القضية.

الدلالة الموضوعية والنحوية لإستخدام حرف الجر (إلى) الحث الشديد للقارئ للتأمل بعيدًا ويُيثر أسئلة عويصة ويُجيب عليها بعمق وعقلٍ مُنير؛ المُلاحظ ان من هذا الإهداء أراد الكاتب ان يُترجم فكرته في رواية كولونيا الجديــدة؛ و يُريد بث النور في النفق المُظلم.

وكأن الكاتب يُخاطب القارئ مباشرة؛ ويقول له أمضي في هذا الطريق، حتمًا تصل.

*الزمان والمكان:

– الزمن في رواية كولونيا الجديــدة؛ إعتمدت على عدة أزمنة متنوعة (الزمن الروائي، والزمن التاريخي، والزمن النفسي) الزمن الروائي إعتمدت على عدة مفارقات دلالية، بينما الزمن التاريخي عكس دور الدول الأمبريالية في الماضي والتأملات لمستقبل هذه الدول التي تسعى في غرس أنيابها، وكذلك التمزقات الإجتماعية والإنسانية التي يمر بها المجتمع عمومًا؛ الزمن النفسي تمرد الكاتب على الأيدلوجيا السائدة واراد ان يُمرر أيديوجبته الحاملة لفكرة المناهضة والتمــرد، وفضح ما هو مسكوت عنه.

– يقول الناقد السوداني إحسان الله، المكان في البناء الروائي؛ يُعد عنصرًا أساسيًا فعالًا لتطوير الأحداث وتطوير الشخصيات وابراز القضايا المحورية واضفاء الواقعية والخيال، ويحمل الكثير من الرموز والبينية الدلالية وتعزيز وتوسيع الرؤية السردية لتشمل الإطار الإجتماعي والثقافي والتاريخي ويعكس التباين والتنــوع والديناميات العاطفية والتأثيرات النفسية.

– تــدور أحداث هذه الرواية في أكثر من ثلاث مُدن ولكن هناك أربع مُدن رئيسية دارت فيها أحداث هذه الرواية (كولونيا الجــديدة) وهي مسقط راس الكاتب الذي يُعاني من التقلبات السياسية جراء السياسيات البغضية تجاه الإنسان الأريتري، أسمراء في مدينة أمباسير الأريترية، العاصمة الثانية هي عاصمة الضباب المدينة التي يقصدها كل مهاجرًا من كل الجنسيات في العالم طلبًا للعلم او فارًا من جحيم منطقته، حيث عاصمة الضباب لندن هي قبلة للمهاجرين الشرعيين والغير شرعيين، العاصمة السودانية الخرطوم، العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حيث منبع النيل والمُتلقي، تجري الأحداث في هذه العواصم عبارة عن أحداث سياسية ذات منفعة إقتصادية الاتفاقيات التي تمت بشأن ســد النهضة التقسيمات التي جاءت بناءًا على اساس المنبع والمصب؛ العاصمة المصرية القاهرة بلــد العروبة، الحدث في هذه المدينة عبارة عن التحول النفسي للشخصية الثانوية من شخصيات الرواية من خلال زيارته لأم الدنيا، وتعجب من طبيعة الإنسان المصري وطريقة تعامله.

– الأمكنة غير الرئيسية تتحمور وفقًا للطبيعة السردية للرواية مع تحولات الشخصيات الثانوية.

– في الصفحة (٤٨) طرح الكاتب سؤالًا بطريقة فلسفية، تُكمن في ماهية الوجود والمستقبل في ظل تعقيدات جمة تواجه الوطن.

(هــذه الأرض تُصلح لولادت جديــدة، أنظر لنفسك! ماذا سيفعل أبناءُك في المستقبل..؟)

هذا السؤال هو ترجمة حقيقية لواقع مُعاش.

– في الصفحة (٧٣) وجه الكاتب بنــداء عام لأبناء من أجل التوقيع على الميثاق التأسيسي الذي يؤسس لوطن جامع، وهذه المناداة في مفادها المصالحة الوطنية الشاملة، حيث قال فيها (هذه وثيقتكم، وهذا وطنكم، الخيار لكم، من أراد الكرامة فليقدم، ومن أراد غير ذلك، فسيحكم التاريخ على كل من تقاعس وارتضى بغير الحرية سبيلًا) الملاحظ ان الكاتب هنا لعب دور الرواي العليم، ليكون هو البطل الحقيقي لرواية كولونيا الجديــدة.

– هذه الرواية هي رواية سياسية بحت تجسدت فيها مفهوم الثورة والنضال، في أجزاء متفرقة من الرواية تناول الكاتب الحرب العراقية، وكذلك الثورة المصرية في مقطع من الرواية (لولا الحرب على العراق، لتسبب ذلك الأهوج في إبادة شرقكم الأوسط برمته، لكنكم تنكرون الجميل وتجمدون الدكتاتوريين دائمًا).

– دائمًا صورة المرأة في الأدب تكون مثيرة للجدل، ما بين الحُب وتجليات النضال من أجل الحياة، صورة المرأة في الأدب الأريتري تأتي بصــورة غير مباشرة لتأثر بصورة مباشرة في النص الروائي لتغير طبيعة المشهد؛ جمعت الصفتين الحُب والنضال.

– معلومة تاريخية ( وقعت الخرطوم والقاهرة إتفاقية خاصة بهما حول نهر النيل وقد كرست إتفاقية عام ١٩٥٩م المعاهدة الانجليزية المصرية وأدرجت تعديلات افادت الدولتين كزيادة حصة مصر السنــوية المصمونة من المياه إلى 55.5 مليار متر مكعب، وحصة السودان إلى 18.5 مليار متر مكعب)

– كل الكُتّاب يكتبون لكن واقلاهم صيادة لمشكلات محطيهم.. لكن القليل من يُناضل بقلمه وفكره ويجسد فكرة الثــورة والنضال في عقول مؤدلجة؛ رواية كولونيا الجديــدة إضافة حقيقية للأدب النضالي السياسي، وللمكتبة وللإنسان الأفريقي المُثير للجـدل بصفة خاصة.

*إقتباسات من رواية كولونيا الجديــدة:

– سهام القدر لا تُخطي أبدًا، لكن شدة الألم مرهونة بأن يبقى الجرح غائرًا.

– الأرض التي تُمهد للزراعة لا يمكن ان تُنبت أبد.

– الهموم الثقيلة تشبه لحظات الولادة المتعثرة.

– قلوب كُتب عليها الألم مع الصبر، لكن تظل أحلام اليقظة هي المُتنفس الوحيد للأعباء المُثقلة على عاتق كل باحث عن الحرية والعدل.

 

 

قد يعجبك ايضا