المادة (140)… بين النص الدستوري والاستثمار السياسي

عرفان الداوودي

تُعد المادة (140) من دستور جمهورية العراق واحدة من أكثر المواد الدستورية حساسية، لأنها جاءت لمعالجة آثار سياسات استثنائية شهدتها المناطق المتنازع عليها، ورسمت خارطة طريق دستورية تقوم على التطبيع والإحصاء والاستفتاء، بما يضمن الاحتكام إلى الدستور وإرادة السكان، بعيداً عن فرض الأمر الواقع أو استخدام القوة السياسية والإدارية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراء يتعلق بالمناطق المشمولة بالمادة (140) ينبغي أن يخضع لمبدأ سيادة القانون واحترام الاختصاصات الدستورية، لأن هذه المادة ليست أداة للصراع السياسي، وإنما إطار دستوري لمعالجة قضية وطنية عالقة وفق أحكام الدستور العراقي.

وفي هذا السياق، جاء موقف كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في مجلس محافظة نينوى ليؤكد أنها لا تنظر إلى هذا الملف من زاوية المكاسب السياسية أو الاصطفافات القومية، بل من زاوية احترام الدستور، والحفاظ على السلم المجتمعي، وصيانة حقوق جميع المكونات التي تعيش في محافظة نينوى.

كما أوضحت الكتلة أن ما صدر عن نائب رئيس مجلس النواب لم يكن قراراً سياسياً لإلغاء الحقوق أو تعطيلها، وإنما إجراء إداري مؤقت اتُّخذ بناءً على طلب نيابي أثار جملة من التساؤلات القانونية والدستورية، مع وجود مخاوف تتعلق بالواقع الديموغرافي وانعكاسات أي إجراء على الاستقرار المجتمعي، وهو ما استدعى التريث وإيقاف الإجراءات بصورة احترازية لحين حسم الموضوع من قبل القضاء العراقي المختص.

ومن الناحية القانونية، فإن اللجوء إلى القضاء يمثل التطبيق السليم لمبدأ الفصل بين السلطات، ويؤكد أن حسم النزاعات الدستورية لا يكون عبر التصريحات الإعلامية أو الضغوط السياسية، وإنما عبر المؤسسات القضائية التي منحها الدستور سلطة تفسير النصوص والفصل في المنازعات.

كما أن تنفيذ المادة (140) ليس من اختصاص أي جهة سياسية منفردة، بل يخضع لآليات دستورية وقانونية واضحة، تتولاها المؤسسات واللجان المختصة، بما يضمن حماية حقوق المواطنين ومنع أي تجاوز على الاستحقاقات الدستورية أو المساس بحقوق الملكية أو الحقوق المدنية لأي مكون من مكونات العراق.

إن احترام المادة (140) لا يعني تجاوز بقية المبادئ الدستورية، كما أن الدعوة إلى تطبيقها لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإثارة الانقسام أو تأجيج الخطاب القومي. فالدستور العراقي يمثل منظومة متكاملة، تقوم على احترام الحقوق والحريات، وتحقيق العدالة، وترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية بين جميع العراقيين.

لقد دفعت محافظة نينوى ثمناً باهظاً نتيجة الحروب والإرهاب والخطابات المتشنجة، وهي اليوم بحاجة إلى خطاب سياسي مسؤول يعزز الثقة بين مكوناتها، ويؤكد أن التعايش السلمي هو الضمان الحقيقي للاستقرار، وأن الخلافات الدستورية تُحل بالحوار والقانون والقضاء، لا بالمزايدات الإعلامية أو استثمار الملفات الحساسة لتحقيق مكاسب سياسية.

ويؤكد الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن تجربته في إقليم كوردستان تمثل نموذجاً للتعايش بين مختلف القوميات والأديان والمذاهب، حيث يعيش الكورد والعرب والتركمان والمسيحيون والإيزيديون والشبك وغيرهم في إطار من الاحترام المتبادل والشراكة، وهو النموذج الذي يتطلع إلى ترسيخه في نينوى وسائر المناطق العراقية.

إن المرحلة الحالية تتطلب تغليب لغة العقل والدستور، وعدم تحويل المادة (140) إلى عنوان للخلاف، بل إلى وسيلة دستورية لإنهاء الخلافات بصورة عادلة ومنصفة، تحفظ حقوق الجميع، وتكرس مبدأ المواطنة وسيادة القانون.

فاستقرار نينوى لا يتحقق إلا باحترام الدستور، والاحتكام إلى القضاء، وصون حقوق جميع المواطنين دون تمييز، بعيداً عن خطابات الفتنة والانقسام، وبما ينسجم مع المبادئ التي قام عليها النظام الدستوري العراقي بعد عام 2003، والتي تجعل العدالة والمساواة والشراكة الوطنية أساساً لبناء دولة المؤسسات والقانون.

قد يعجبك ايضا