عدنان الحسيني باحث على ضفاف الذاكرة ومرافئ الوطن

محمد علي محيي الدين

في ريف العراق المغمور بصفاء الطين ومياه الفرات، وعلى ضفة شط الحلة اليسرى، وُلد عدنان الحسيني عام 1955 في قرية الحصين، القرية التي ما زالت تهمس بالحكايات في آذان النخيل. ومنذ خطوته الأولى على درب العلم، بدا أن هذا الفتى ينتمي لعوالم أوسع من حدود قريته، فقد حمل في روحه نزوعًا مبكرًا إلى التوثيق، والقبض على لحظات الحياة العابرة، كما يُمسك المهندس بخريطة مشروع يرى فيه خلاص الأرض.

رغم أن عدنان الحسيني تخرج مهندسًا من جامعة الموصل عام 1976، ثم حصل على الماجستير في هندسة الري والبزل من جامعة بغداد، إلا أن هندسة الجغرافيا لم تُقصِه عن هندسة الذاكرة، ولا عن سبر أعماق الاجتماع والدين والسياسة. اشتغل في مؤسسات الدولة، حتى بلغ آخر المناصب كمدير للموارد المائية في بابل، لكن تقاعده في نهاية عام 2018 لم يكن إلا انتقالًا من واجب الوظيفة إلى واجب الكلمة، من الماء الجاري في القنوات إلى الفكر الجاري في كتب تنبض بالتساؤل والتحليل.

في كتابه “الخطاب الشيعي وتحديات التغيير”، وفي رديفه “الخطاب السنّي وتحديات التغيير”، نلمس يدًا لا تكتب لتسجيل المواقف، بل لهزّ الثوابت الجامدة، والنبش في خطابين ظلا عالقين بين التراث والسياسة، بين الحشود والمنابر، باحثًا في إمكانات التغيير لا في ضرورات الثبات.
أما في “ضحايا عقيدة الخلاص”، فيحمل الحسيني عدسته النقدية ليطل على المفارقة الموجعة: كيف تتحول العقيدة إلى ملاذ وهلاك، وكيف تتسلل اليقينيات لتصنع الضحايا، لا النجاة. وها هو في “مائة عام من ذاكرة وطن”، يوسّع مرآته، ليلتقط تفاصيل العلاقة المركّبة بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية، في المائة عام التي اعقبت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤م، وحتى وقتنا الحاضر، في ثلاثية تاريخية نادرة، وثّقت كما يقول الناقد أحمد الناجي: “برؤية ثاقبة تلتقط كل صغيرة وكبيرة، وتهجس أن تصل إلى خفايا الأمور.”
هذا الكتاب، كما وصفه الاستاذ الناجي، لا يقرأ التاريخ بوصفه حدثًا جامدًا، بل كحقل يتفاعل فيه الدين بالسياسة، والمجتهدون بالملوك، والمواقف بالخوف والرجاء، في سردية تمتح من الوثيقة والتحليل والحدس الباحث عن جوهر الأشياء.
أما في كتابه “حصن سامة… لمحات من ذاكرة قرية الحصين”، فقد تحوّل الحسيني إلى مؤرخ شعبي، يمزج التاريخ بالحكاية، ويستنطق الأرض كما تستنطق الجدّات. قال عنه نبيل الربيعي: “لم يعتمد الحسيني على الوثائق وحدها، بل استند إلى المصادر الشفوية ورواتها، مما تطلّب قدرات فاحصة على التمحيص والتدقيق، وقدّم بذلك دراسة متكاملة لتاريخ القرية.”
ولأن الوفاء عند الحسيني ليس نزوة، بل مبدأ، نراه ينقّب في سِيَر الشخوص الذين مرّوا به أو على قارعة وطنه. في “المعلم حازم سليمان الحلي – سيرة وعطاء”، يستعيد سيرة رجل علم وأدب، يتقاطع فيها التربوي بالشاعر، والخطيب باللغوي، وهو ما جعله، كما أشار الأديب محمد علي محيي الدين: “في مقدمة الباحثين في المجالات المتعددة، وجمع من المعارف ما قلّ أن يجتمع في رجل واحد.”
أما في كتابه عن “السيد ضايع كريم آل مجدي”، فقد التقط الحسيني ملامح شخصية ريفية من طراز خاص، مزارعًا ومجددًا ومبادِرًا في آن. كتب عنه صباح العكام في صحيفة المثقف قائلًا: “إنه رجل من طينة الأرض الخصبة، لا من زيف الحكايات، أسهم في تحويل القرية من مجرد تجمع زراعي إلى مشروع مدني مصغّر.”
هذا المزج بين التاريخ العام والتاريخ المحلي، بين الفكرة والمكان، هو ما يمنح مشروع عدنان الحسيني فرادته. فهو لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يبعث فيها الحياة، ويعيد بناء سردياتها من الداخل، عبر لغة متزنة ونظرة ذات مرجعية علمية واضحة، دون أن تفقد دفئها الإنساني.
في بحوثه الزراعية والهندسية المنشورة، كما في كتبه الاجتماعية والدينية، نلمس حضور باحث لا يرضى بالقشور، بل يغور عميقًا في الأسباب والنتائج، وهو ما يتجلى في مقالاته حول أزمة مياه الفرات، وما آلت اليه المشاريع الاروائية المنفذة في العراق من تردي وخراب، وتحديات السياسة المائية التركية تجاه العراق.
عدنان الحسيني ليس مجرد باحث أو كاتب توثيقي، بل هو صوت قلق يسأل عن المعنى، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى على حاضر منهك، ومستقبل يتنازعه الماء والنار والذاكرة. هو من صنّاع الوعي في زمن التناسي، ومن نقّاد الظواهر في عصر التأويل السهل.
وإذا كانت سيرته قد بدأت من قرية صغيرة، فإن صوته الآن يتردد في أكثر من حقل: في الكتب، في المقالات، في شهادات من قرأوه. إنه واحد من أولئك الذين آمنوا أن التغيير يبدأ بالكلمة، وأن الإنصاف يبدأ بالتوثيق، وأن خلاص الأوطان يبدأ من الوعي لا من الخلاص المفترض.
فطوبى لمن احتفظ بندى القرى في أصابعه، وظل يكتب للعراق من ضفاف الحلة، وللتاريخ من ضمير الباحثين.

قد يعجبك ايضا