الدكتورة : مريم كاظم هادي
ويقدم مالك بن نبي مفهوما وظيفيا للحضارة فيقول:”إن عينات حضارة ما: هي منتجاتها الاجتماعية في جميع أشكالها.فالمصباح الذي نستنير به، والأفكار التي وجهت أمر تجهيزه والآدميون الذين قاموا بعملية إنجازه، تمثل جميعها منتجات اجتماعية لحضارة معينة “. ويستعين في تحليله لقوله هذا بعلم الاجتماع كي يصل إلي تفكيك العناصر الأولى التي كونت هذا المنتوج، فيجده في عناصر ثلاث، هي: الإنسان والتراب والزمن.
فيقول: “ونحن لو حللنا وجهة نظر علم الاجتماع لهذه “العينة ” لوجدنا أن محتواها أو مادتها تؤول إلى ثلاثة حدود وهي:التراب والزمن والإنسان
أولا: أن التجديد، هو التحليل الذي يستمده مالك بن نبي من علم الاجتماع المعاصر .و ثانيا: أن هذه العناصر لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا وفق شروط أي في حالة ما إذا تم التآلف بينها. أعني أن المنتوج حينئذ تتحكم في ولادته “صبغة نفسية”وهي هنا الحالة التي تذكر دائما أي مجتمع بحالة إعلانه لميلاده.والتجديد هنا في الاستفادة أيضا من علم النفس الاجتماعي. ومن هنا فإن العناصر السالفة الذكر، لا يمكن تصورها بمعزل عن بعضها البعض. وعليه فإن العنصر الأول، أي الإنسان هو الفاعل الحقيقي لأي إنتاج. وهو هنا يمثل الفكرة التي كشفت عن المولد. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصور أن هذه الفكرة جاءت من الفراغ. ومن هنا فإن الشرط الثاني يبدوا ضروريا لأي عملية ميلاد. وهو هنا عامل الزمن. ولكن أيضا فإن الذي لا مراء فيه، هو أن الميلاد لهذا المنتوج هو أصلا مستمد من المادة التي بواسطتها يتم إنتاج هذا المولود. وهو هنا ما يسميه بالتراب والمقصود به ليس الإنتاج المادي، بقدر ما يرمز لأي شكل من أشكال الإنتاج. يقول بن نبي في هذا المعنى “فحينما نحلل منتجات حضارة، ولنأخذ أيا منها ولتكن هذه الورقة فإننا نجدها تتكون من عناصر ثلاثة –الإنسان –لأنه هو الذي ولدها بفكره وصنعها بيده، في بغداد في العهد العباسي، حيث اخترع الإنسان الورق.
فالعنصر الأول الإنسان، أما العنصر الثاني فهو التراب، إذ من التراب كل شيء على الأرض وفي باطنها. ومعنى التراب هنا ليس هو المعنى المتبادر إلى الذهن.فقد تعمدت ألا أستخدم كلمة مادة لأسباب، فقلت التراب. لأن التراب يتصل به الإنسان بصورتين: صورة الملكية أي من حيث تشريع الملكية وهو يتصل به بصورة أخرى من ناحية علم التراب والمعلومات التي تتصل به كالكيمياء وغيرها فالتراب نعني به هذين الجانبين جانب التشريع وجانب السيطرة الفنية، والاستخدام الفني ، فالتراب بهذا المعنى يدخل في عناصر الورقة.
وأما العنصر الثالث فهو الزمن لأنه إذا صح ما أقول فلماذا لم يخترع الفكر الإنساني الورقة قبل هذا التاريخ ؟إن الجواب على ذلك هو نقص تجاربه في هذا المضمار، في مضمار علم التراب والنبات. فالزمن قبل ذلك التاريخ لم يكف لتخمر فكرة ابتكار الورق.إذن يجب أن تتجمع عناصر ثلاثة حتى يتكون منها الورق:الإنسان التراب الوقت. وهذا التحليل يوجب علي أن أقول منتوج حضارة وهنا( ورقة ) =إنسان +تراب +وقت وبعد تحليلنا للمفهوم ولعناصر الحضارة، وشروطها، وحتى نتعرف على مبررات بقاء حضارة قائمة، واختفاء حضارة لا بد من أن نقلب صفحة نحاول فيها أن نجري مقارنة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، ذلك ما يلخصه لنا مالك بن نبي عندما يجري هذه المقارنة ـ طبعا لا لشيء سوى لاستخلاص النتيجة و”الأيام التي تضمن شروط بقاء حضارة في استمرارها.
– التغيير في الأفكار
يقوم مالك بن نبي بالمقارنة بين الحضارتين انطلاقا من بدأ هاتين الحضارتين فيرى أن الحضارة وكل حضارة تمثل في الواقع من انطلاقها شرارة الفكرة الدينية في المجتمع الذي يكون “خام” حتى تبعث فيه الروح التي تنشطه.