*د. رينجبر جميل شيخو
من المعلوم أن الأساس الفلسفي لوجود الدولة وتنظيم السلطة فيها يرجع إلى نظرية العقد الاجتماعي، التي تقر بأن الدولة وسلطتها نشأت عن طريق اتفاق أو عقد بين طرفين، أولهما أفراد الشعب، وثانيهما الحاكم. ويترتب على هذا العقد تقسيم المجتمع إلى طبقتين: الحكام والمحكومين. واستناداً إلى هذا العقد، يلتزم كلا الطرفين بأحكامه، إذ أن الشعب، عندما تنازل عن بعض حقوقه لصالح الحكام، فعل ذلك مقابل التزام هؤلاء الحكام بحماية الشعب وتنظيم حياته على نحو أفضل.
وفي نطاق الدولة الفيدرالية، يمكن القول إن هذه الدولة لا تتكون فقط من أفراد الشعب، بل تتألف أيضاً من اتحاد مجموعة من الوحدات السياسية (الدويلات أو الأقاليم) التي تتنازل عن سيادتها الخارجية وبعض من سيادتها الداخلية لصالح الدولة الاتحادية، وذلك استنادًا إلى وثيقة دستورية مبرمة بينها. ويُعد هذا الدستور بمثابة عقد بين طرفين: الوحدات المكونة للدولة الفيدرالية، أياً كانت تسميتها (أقاليم، ولايات، كانتونات، مقاطعات، إمارات… إلخ)، والدولة الاتحادية ذاتها.
ويعني ذلك أن أساس تكوين الدولة الفيدرالية يرجع إلى الوثيقة الدستورية التي تمت كتابتها وصياغتها من قبل هذه الوحدات، حيث تم الاتفاق فيما بينها على إقامة مستويين للحكم: المستوى الفيدرالي والمستوى الإقليمي. ويتمتع كلا المستويين بمجموعة من الاختصاصات الدستورية، تمارسها السلطات الثلاث (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية) على كل من المستوى الفيدرالي والمحلي. وتعرف هذه السلطات مجتمعة بـالسلطات الحاكمة، كونها تمارس الوظائف السيادية للدولة.
ويجب أن يتضمن الدستور الفيدرالي الضمانات الكافية لتحقيق التوازن بين مستويي الحكم، بحيث لا تطغى سلطة أحد الطرفين على الآخر، ولا تُفرض الهيمنة من جانب الدولة الاتحادية الوحدات الإقليمية، لأن ذلك يؤدي إلى اختلال التوازن المطلوب في الدولة الفيدرالية، وربما إلى زوالها.
فإذا قامت السلطات الاتحادية بفرض سلطتها على الوحدات الإقليمية خارج نطاق النصوص الدستورية، أو استغلت موقعها ومركزها لصالحها، فإن من حق هذه الوحدات، بوصفها أطرافاً في العقد الدستوري، أن تقرر مصيرها، سواء بالخروج من الاتحاد أو بالبحث عن بديل آخر، كإعلان الاستقلال أو الانضمام إلى دولة أخرى.
فالاتحاد الفيدرالي قام ابتداءً على اتفاق بين الوحدات المكونة، عن طريق وثيقة دستورية ملزمة. وإذا تم خرق هذه الوثيقة، وخرجت السلطة الاتحادية عن حدود اختصاصاتها، فإن هذا يعد خرقاً للعقد الاجتماعي، مما يتيح لتلك الوحدات أن تتصرف وفق مصالحها، تمامًا كما يحق للأفراد عزل الحاكم إذا أخل بالتزاماته في نظرية العقد الاجتماعي.
وبذلك، يمكن القول إن الأساس الفلسفي لوجود التوازن بين مستويي الحكم في الدولة الفيدرالية يستند إلى نظرية العقد الاجتماعي، مع الأخذ بنظر الاعتبار الطبيعة الخاصة للدولة الفيدرالية، التي لا تتكون من أفراد فقط، بل من مجموعة من الوحدات المكونة لها.
*مدير مركز البحوث القانونية والسياسية- كلية القانون- جامعة دهوك