نوري جاسم
ولد لويس ماسينيون في عام (1883 م) بمدينة نوجينت سور مارن الفرنسية، وترعرع على حب المعرفة، حيث درس اللغة العربية، والتركية، والفارسية، إلى جانب اللغة الألمانية والإنكليزية، قبل أن ينفتح على عوالم الشرق وحضارته، سافر إلى العراق عام (1907 م)، وشارك في التنقيب عن قصر الأخيضر، ليلامس بيديه عراقة التراث الإسلامي، وينفتح قلبه على مساحات روحية عميقة تركت أثرًا كبيرًا على مسيرته العلمية وحياته الشخصية،
خدم ماسينيون بلده فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى، وبعدها درس التصوف الإسلامي بجدّية، مخصصًا جهوده لاستكشاف حياة الحسين بن منصور الحلاج (858 م_ 922 م)، الذي اعتبره نموذجًا للروح المحبة لله، وضحّى بنفسه من أجل الحقيقة، أصدر عام (1913 م) نسخة محقَّقة من كتاب الطواسين للحلاج، حيث ترجم نصوصه وصلاة السجن التي تلاها قبل تعذيبه، ونقلها إلى اللغة الفرنسية، مظهرًا للعالم عظمة هذا التراث الصوفي، وتعرض ماسينيون عام (1908م) أثناء مكوثه بالعراق للاعتقال من قبل السلطة العثمانية، وحينها عاين محنة السجن، وحكى عن “نار داخلية تحاكم القلب وتحرقه” كحضور إلهي، مما جعله أقرب إلى الله عبر الصلاة بالعربية لأول مرة. وقرر من يومها أن يُكرس حياته للدراسة الجادة للإسلام، متبنّيًا فكرة “البَدَليّة”، حيث رأى الحلاج نموذجًا لذلك، إذ تحمّل المحن ومات من أجل أمته، وصار مثالًا على الحب والفداء، ولم تكن علاقة ماسينيون بالحلاج محض دراسة علمية بل كانت علاقة وجدانية، إذ اعتبر أن شهادة الحلاج على خشبة الصلب رسالة روحية تخاطب جميع البشر، وتنطق بلغة الحب والجمال، وقد ذكر ماسينيون أن التصوف الإسلامي يشكّل نموذجًا للإخلاص لله، بل اعتبر الإسلام امتدادًا للحنيفية الإبراهيمية، يحمل رسالة توحيد وتنزيه، وتنقية للنفس، مما جعله يرى فيه بابًا للحوار العميق مع الديانة المسيحية، وكتب ماسينيون عن عبد الحق ابن سبعين (1217م_1270م)، وعن الصحابي سلمان الفارسي (568م_654م)، وعن العديد من رموز التصوف، محاولًا تبيان مساحات التواصل الروحي التي تتجاوز حدود الثقافات. درس التراث الإسلامي بكل جدية، فأخرج كنوزه العلمية، من ديوان الحلاج إلى نصوص التصوف، وحاول أن يجعلها بوابة للحوار والسلام، وعلى الرغم من عمله كمستشار لوزارة المستعمرات الفرنسية، وانتقاد البعض له على هذا الدور، حافظ على تقديره للإسلام كدين يحمل رسالة محبة، وحاول بصدق تجاوز عثرات المرحلة وصراعاتها. وفي محاضرته الشهيرة عن التصوف، عبر ماسينيون عن عظمة الحب الصوفي، قائلًا: “ليس التصوف فكرةً بل حياة، حياة تنبع من الحب، وتنمو عبر المحبة، وتنتهي إليها” وكانت حياة ماسينيون رحلة طويلة نحو الحب والتسامح، حيث جالس العلماء، وزار السجناء، ودافع عن المهاجرين الجزائريين، وشارك في حركات الاحتجاج السلمي على ممارسات الاستعمار الفرنسي، مؤمنًا بفضيلة الضيافة التي جعلها الإسلام مبدأً عظيمًا، توفّي يوم 31 أكتوبر عام (1962م)، مخلّفًا أثرًا عميقًا على الفكر الديني الروحي وحوار الأديان، ورافعًا راية التصوف كحوار للحب والسلام، مؤمنًا بأن سلسلة المحبة والبديل تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتجمع القلوب على الحق والجمال، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ….