نوري جاسم
في أعماق كل إنسان تسكن النفس، تلك الجوهرة الغامضة التي تمثل صراعًا دائمًا بين النور والهوى، بين الخير والشر، بين ما يُرضي الله وما تميل إليه الشهوات، وقد اعتنى التصوف والعرفان الكسنزاني القادري عناية كبيرة بتزكية النفس وتطهيرها، لأنها السبيل إلى النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس: 9-10)
ان النفس في التصور القرآني ليست كيانًا جامدًا، بل كائنٌ حيٌّ تمر عناية إصلاحها وتربيتها الروحية على يد الشيخ المرشد بمراحل ومراتب، تبدأ بالنفس الأمارة بالسوء التي تَميل إلى الشهوات وتستجيب للهوى، كما في قول العزيز على لسان امرأة العزيز: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} (يوسف: 53)، ثم تتطور إلى النفس اللوامة التي تؤنب صاحبها وتدعوه للتوبة، كما قال تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (القيامة: 2)، إلى أن تبلغ النفس المهمة قال تعالى { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } ( الشمس : 8 ) ومن ثم النفس المطمئنة فالنفس الراضية ومن ثم النفس المرضية، التي تسكن إلى ذكر الله وتستقر في طاعته، فيُقال لها: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} (الفجر: 27-28). ومن ثم النفس الكاملة، وقد أرشد النبي سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى أهمية الجهاد الأكبر، حين رجع من غزوة فقال لأصحابه: “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”. قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: “جهاد النفس”. (رواه البيهقي عن جابر بن عبد الله). فالصراع الحقيقي، بحسب هذا الحديث الشريف، ليس في ميادين الحرب، بل في سوح النفس، في ضبطها وترويضها على الطاعة، وكان أئمة أهل البيت عليهم السلام، سادة المجاهدين في هذا المضمار، يقول الإمام علي عليه السلام: “جهاد النفس أفضل الجهاد”، ويقول: “أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك”. فهي العدو الداخلي الذي إن لم تتم السيطرة عليه، لا يُرجى من الانتصار الخارجي فائدة، وفي مسيرة التصوف والعرفان الكسنزاني القادري، كانت المجاهدة طريق العروج. وقد فصل مشايخ الطريقة العلية القادرية الكسنزانية في بيان منازل النفس ومسالكها، فأشاروا إلى أن النفس لا تُقهر إلا بالنور، نور الذكر، والخلوة، والطاعة، والرابطة الروحية، والتجرد من الحظوظ، وكان السلطان الخليفة محمد المحمد الكسنزان (قدس الله سره) كثيرًا ما يوصي مريديه بقوله: “جاهد نفسك بالذكر، فإن النور إذا استقر في القلب أطفأ ظلمة الهوى”، ويوضح السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان (دام مجده) أن مجاهدة النفس ليست قمعًا لها، بل ترقيتها وتحريرها من أسر الدنيا لتبلغ مراتب القرب من الله، فيقول: “الروح لا تعلو إلا إذا خضعت النفس، والنفس لا تخضع إلا إذا شربت من معين الذكر، وخبرت لذة التجلي، وعرفت مقام العبودية”، وهكذا تصبح المجاهدة حكاية عروج، رحلة تصعد فيها النفس من ظلمة الشهوة إلى نور الحضرة، من تقييد الهوى إلى انطلاق الروح، وهي رحلة يمر فيها السالك من مجاهدة الجوارح، إلى مجاهدة القلب، ثم مجاهدة السر، حتى تصفو النفس وتصبح مرآة يتجلى فيها النور الإلهي، وهذه الرحلة الإيمانية الشاقة الشيقة، هي رحلة امتزجت بها لذة النور والم مخالفة الهوى، وختامًا، تبقى النفس ميدان الصراع الأبدي، لكنها أيضًا ميدان الانتصار الأبدي، فكلما أضاء الإنسان شمعة في قلبه، انطفأ شيء من ظلام الهوى. وكما قيل في الحكمة: “من عرف نفسه، عرف ربه”، ومن عرف ربه، لم يبق للهوى عليه سلطان. فطوبى لمن صبر، وجاهد، وسار إلى الله بنفسٍ قد زكاها، فنال الفلاح في دنياه وأخراه، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .