محمد سليم المزوري
يقصد بالنهضة، البعث والتجديد ويمثل عصر النهضة الأوروبية Renaissance طوراً جديداً من أطوار الحضارة الأوروبية، وتعتبر مرحلة انتقالية بين العصور الوسطى والعصور الحديثة وهي عملية بطيئة لم تحدث بين عشية وضحاها، بل وقعت تدريجياً لتشمل عدة قرون. ويعتبر المؤرخون أن عصر النهضة هو بداية التاريخ أيدي الحديث بل يحاول البعض أن يجعل عام 1453 وهو سقوط القسطنطينية في الأتراك العثمانيين بداية لعصر النهضة حيث نزح العلماء إلى ايطاليا ومعهم تراث اليونان والرومان. وهناك رأي آخر يعتبر عصر النهضة فترة زمنية تمتد بضعة قرون من سنة 1300 إلى سنة 1500 وتصل في بعض أجزاء أوروبا إلى سنة 1600 ويمكن القول بأنه ثمار الاتصال الحضاري بين أوروبا الغربية ومراكز المدنية الإسلامية.
ويمثل هذا العصر طوراً جديداً من أطوار الحضارة الأوروبية يختلف عن كل ما سبقه. فقد تغيرت نظرة الفرد الأوروبي تجاه الدين والكنيسة والحياة والمجتمع وبعثت الآداب والعلوم والفنون القديمة، وهي تشير إلى النشاط الفكري الذي شمل جميع نواحي الحياة الأوروبية وانطلق في آفاق جديدة متحررة من قيود الكنيسة والإقطاع. فظهرت المخترعات الحديثة كالطباعة واختراع البارود وقامت حركة الكشوف الجغرافية. ولقد كان من أبرز عناصر النهضة الأوروبية إحياء الفن والأدب الكلاسيكيين فقد قامت حركة كبيرة للتنقيب عن الآثار والمخلفات الأدبية واليونانية والرومانية القديمة ودراستها، واتخذ أصحاب هذه الحركة من الإنسان وحياته موضوعا لدراستهم واهتموا بضرورة إطلاق حرية الفكر وتأييد حرية الفرد ونجحت المدن في أن تصبح وحدات سياسية حرة في وسط إقطاعي متزمت وأن تغدو مهدا للطبقة الوسطى ونمو الشعور القومي، وأن تكون معول هدم في بنيان النظام الإقطاعي والحد من نفوذ الكنيسة .
ومن خصائص النهضة أنها لم تظهر في جميع البلاد الأوروبية في وقت واحد، بل ظهرت فيها تباعا، فقد بدأت في مدن شبه الجزيرة الإيطالية حتى إذا اكتملت ونضجت انتقلت إلى سائر البلاد في غرب أوروبا.
بدأت النهضة الأوروبية في مدن شبه الجزيرة الإيطالية ثم انتقلت إلى الدول الأوروبية، وكانت في حقيقة أمرها امتداداً لما سبقها من تيارات حضارية شهدتها أوروبا في العصور الوسطى. ولكي يتسنى لنا أن نفهم أسباب وعوامل قيام النهضة الأوروبية لا بد لنا أن نلقي نظرة على العصر الوسيط والتيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية السائدة فيه ويمكن التعرف على عوامل قيام النهضة من خلال سيطرة الكنيسة الكاثوليكية من الناحية الروحية والثقافية والمادية.
النظام الاقطاعي بوصفه قاعدة للحياة الاقتصادية والاجتماعية ، نشأة المدن وما نتج عنها من تغير اقتصادي وسياسي واجتماعي.
سيطرة الكنيسة الكاثوليكية : كان الناس في أوروبا في العصور الوسطى يدينون بالمسيحية وكانت البابوية نظاماً دينياً تطور بمرور الزمن فأصبح نظاماً سياسياً خصوصاً بعد انتصاره على الأباطرة في العصور الوسطى، ورأى المسيحيون في البابوية السند الكفيل لحمايتهم، الأمر الذي أضفى على شبه الجزيرة الإيطالية مكانة ممتازة، فشعر الإيطاليون بنوع من السيطرة الدينية على بقية أنحاء أوروبا.
وكان التقسيم الاجتماعي في العصور الوسطى يضع رجال الدين في قمة المجتمع، أما بقية الناس فكانوا يقسمون إلى طبقتين: النبلاء ويكونون الطبقة الثانية، وما دون النبلاء يسمون الطبقة الثالثة، وقد تولى رجال الكنيسة الوظائف الدينية والمدنية وغدا البابا بجانب صفته الدينية حاكما دنيوياً لا يختلف عن الملوك والأمراء المعاصرين له، يحكم بواسطة أجهزة حكومية تابعة له دب في أوصالها الفساد والفسق والمجون وبيع الوظائف الدينية وإرهاق الناس بالضرائب. وكان للكنيسة من الممتلكات الإقطاعية الواسعة الشيء الكثير كما كان رجال الدين يتمتعون بشراء كبير نتيجة للهبات التي كان الفرسان والإشراف والفلاحون يقدمونها لهم مقابل الدعاء والسماح بدفنهم في الأديرة مما آثار استهجان المسيحيين في شمال أوروبا فظهرت حركات إصلاحية معادية للكنيسة الكاثوليكية.
من جهة أخرى أخذ البابوات ينافسون الأمراء الايطاليين في تشجيع الآداب ورعاية الفنون وينفقون الأموال للنهوض بالعلم ونشر المعرفة وانتشار المكتبات وشراء المخطوطات والكتب وإقامة الأكاديميات، ويحتل البابا نيقولا الخامس (1443-1455) صفحة مشرفة، حيث بسط رعايته على رجال الفنون والآداب وأنشأ مكتبة الفاتيكان ذات الشهرة الواسعة، وكذلك البابا ليو العاشر (1513-1521) الذي قام بتشييد كنيسة القديس بطرس.
إلا أن الضعف أخذ يتطرق إلى الكنيسة نتيجة لعدة عوامل كان أهمها النزاع بين البابوية والإمبراطورية وكذلك ظهور حركات الإصلاح المعادية للكنيسة نتيجة للفوضى حلت بالكنيسة والفساد الذي عم رجال الدين.