التآخي / وكالات
بلقيس شرارة
سأكتب ذكرياتي عن الشاعرة نازك والعلاقة الفكرية التي كانت تربط عائلتّي محمد شرارة وصادق الملائكة. تعرفتُ على نازك عندما شاهدتها جالسة في الحديقة المطلة على نهر دجلة في الرستمية، في دارنا عام 1946، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
إذ كان والدي مدرساً في دار المعلمين الريفية، وقد دعى عائلة صادق الملائكة إلى دارنا في الرستمية. وذكرت حياة: ” كانت الرستمية ناحية معمورة بالبساتين واشجار النخيل والدفلى والتكي، وكانت السكينة الريفية تعمر جنباتها… واعجبت نازك بهذه الطبيعة الهادئة البعيدة عن ضوضاء المدينة وتجولت في ارجائها”. (صفحات من حياة نازك الملائكة، حياة شرارة، ص-129).
عاشت نازك ألاحداث العامة من انتصارات وهزائم الدول في الحرب العالمية الثانية، كما كان هنالك تطلع وحماس في الحصول على الاستقلال وجلاء الجيوش البريطانية عن البلاد، إذ كانوا ينتظرون ميلاد عالم جديد بعد الحرب، رغم معاناة الناس من الغلاء والتموين والتقنين في المصروفات. كانت نازك تعيش الاحداث ويأخذها الحماس تارة والقنوط تارة أخرى.
في عام 1947 انتقلت دار المعلمين الريفية إلى حي سبع قصور في الكرادة الشرقية، واصبحت الزيارا ت متبادلة بين العائلتين.
كنتُ آنذاك في الصف الثاني المتوسط، وكنا كلنا آذان صاغية لما يدور من حديث، وشعرنا باهتمام نازك بنا، إذ كنا في سن المراهقة، وقد علمّتنا على سماع الموسيقى الكلاسيكية، إذ لم نتعرض في السابق في دار والدي إلا إلى سماع الاغاني المصرية وخاصة عبد الوهاب، كان والدي من المعجبين به.
كنا نجلس في غرفة الضيوف المطلة على الشارع في شارع أبو قلام، وكانت نازك تضع الاسطوانة في كرمفون كبير، الذي كان جزء منه راديو، ونصغي إلى القطعة الموسيقية، بعد أن تطفئ ضوء الغرفة. وأول مرة سمعت السمفونية السادسة للموسيقار الروسي شايكوفسكي هو في تلك الغرفة المظلمة، بعد ان شرحت لنا السمفونية، وهي آخر ما ألفه الموسيقار الروسي قبل موته، وتعتبر من روائع اعماله الموسيقية. فالموسيقى حزينة جداً وعاطفية في نفس الوقت. ثم استمعنا إلى جميع سمفونياته، ولكن ظلت السمفونية السادسة المفضّلة بالنسبة لي. ثم بدأت تعيرنا بعض السمفونيات، لعدد من الموسيقيين الألمان والروس والفرنسيين، وكنا نصغي اليها في الدار عشرات المرات حتى حفضنا قسماً منها. كان لنازك في الحقيقة الدور الرئيس في تذوقنا الموسيقى الغربية، وسماعها من قبل جميع أفراد العائلة.
كانت نازك قصيرة القامة، مملؤة الجسد، بسيطة المظهر، قليلة الكلام، وإن تكلمت فبصوت هادئ لا ترفعه إلا عندما تقرأ إحدى قصائدها. كما كانت واسعة الاطلاع، ذات ثقافة أدبية عميقة، تتقن عدة لغات. ولم يقتصر اطلاعها على قراءة الكتب وانما شمل التتبع في الموسيقى والسينما. إضافة إلى ذلك، فإنها كانت تعزف على آلة العود، وتغني اغاني عبد الوهاب وأم كلثوم وغيرهم من المغنين. كانت تفضل أن تقرأ الرواية قبل ان تشاهد الفلم، مثل رواية “دكتور جيكل ومستر هايد، أو “لمن تقرع الأجراس” للكاتب همنغواي، وغيرها من الأفلام الغربية، لكنها كانت تشاهد أيضاً الأفلام المصرية مثل “رصاصة في القلب” لتوفيق الحكيم.
وذكرتْ عنها شقيقتي حياة، ان موقف نازك من الجنس والزواج كان كرد فعل للتقاليد الاجتماعية الصارمة بحق المرأة. فكانت ضد الزواج لدرجة انها شكّلت في النصف الثاني من الاربعينيات جمعية ضد الزواج ولكن الجمعية تصّدعت بزواج القاصة ديزي الأمير عندما تزوجت عام 1948.
كانت نظرتها للحياة نظرة مأساوية، متشاءمة، وكان الحزن يغلب حتى على محياها. انعكست تلك النظرة في قصائدها. فقد صدر لها في تلك المدة ديوان (عاشقة الليل)، وقد أثار تسائلات عن سر الحزن والكآبة اللذين يخيمان على القصائد في الديوان.
يا ظلام الليل يا طاويَ أحزانِ القلوبِ
أنظُرِ الآن فهذا شبحٌ بادي الشُحوب
جاء يسعى، تحت أستاركَ، كالطيف الغريب
حاملاً في كفَّه العودَ يُغني للغُيوبِ
ليس يَعنيهِ سُكون الليلِ في الوادي الكئيبِ
***
فارجِعي لا تَسألي البَرق فما يدري الوميضُ
عجباً، شاعرة الحَيرة، ما سرُّ الذهول؟
ما الذي ساقكِ طيفاً حالماً تحت النخيلِ؟
مُسندَ الرأس إلى الكفين في الظّل الضليلِ
مُغرقاً في الفكر والأحزانِ والصمتِ الطويلِ
ذاهلاً عن فتنةِ الظُلمةِ في الحقل الجميلِ
***
وقد حاول والدي محمد شرارة ان يتلمس تلك الأسباب، أسباب الحزن، فكتب مقال بعنوان: “عاشقة الليل، وهل في الليل ما يعشق؟” وتساءل:” ما هي بواعث هذا الأنين المتصل واللوعة المستمرة؟… فربما كانت وراء هذه اللوعة بواعث متصلة بالمجتمع من حيث الأوضاع والعنعنات البالية، ومن حيث الحكم واساليبه الراجعة إلى اسخف عهود الإقطاع… وربما كانت متصلة بعاطفة ذاتية خاصة”. (عاشقة الليل وهل في الليل مل يعشق؟، مجلة العرفان اللبنانية، كانون الثاني 1948).