نوري جاسم
لم يعد الصمت في عصرنا مجرد لحظات من السكون، بل أصبح شيئًا يخشاه كثير من الناس. فما إن يخلو الإنسان بنفسه حتى يسارع إلى هاتفه، أو يفتح شاشة، أو يبحث عن أي صوت يملأ الفراغ، وكأنه يهرب من لقاء نفسه. وإن الضجيج لم يعد يحيط بنا من الخارج فحسب، بل أصبح يسكن داخلنا أيضًا. ضجيج الأخبار، وضجيج وسائل التواصل، وضجيج المنافسة، وضجيج الرغبة في الظهور. حتى بات الإنسان يعيش بين آلاف الأصوات، لكنه نادرًا ما يسمع صوته الحقيقي. والحقيقة أن الصمت ليس فراغًا، بل مساحة يلتقي فيها الإنسان بذاته. ففي الصمت يراجع أفكاره، ويزن كلماته، ويحاسب نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته. ومن لا يمنح نفسه هذه اللحظات، قد يواصل السير سنوات طويلة في طريق لا يريد الوصول إلى نهايته. ولقد كان الحكماء يرون أن كثرة الكلام تستهلك الحكمة، وأن التأمل يولد البصيرة. فالإنسان لا ينضج بكثرة ما يسمع، وإنما بعمق ما يفكر فيه. ولهذا كان أعظم القرارات في حياة البشر تولد بعد لحظات من التأمل، لا وسط ضجيج الانفعالات. ومن المؤسف أن بعض الناس أصبح يقيس قيمة يومه بعدد الإشعارات التي وصلته، وعدد الإعجابات التي حصل عليها، بينما يغفل عن سؤال أكثر أهمية: ماذا أضفت إلى نفسي اليوم؟ وهل أصبحت أفضل مما كنت عليه بالأمس؟ وإن الإنسان الذي لا يجلس مع نفسه، قد ينجح في معرفة أخبار العالم كله، لكنه يجهل حقيقة نفسه. ومن يعرف نفسه، يعرف نقاط قوته وضعفه، ويصبح أكثر قدرة على إصلاح حياته، وأقل انشغالًا بعيوب الآخرين. وإننا لا ندعو إلى العزلة عن الناس، فالحياة تقوم على التواصل والتعاون، ولكننا ندعو إلى لحظات من الصمت الواعي، ذلك الصمت الذي يفتح أبواب الحكمة، ويمنح القلب سكينة، ويعيد للعقل صفاءه.
وإن الأمم التي صنعت الحضارة لم تكن أسيرة الضجيج، بل كانت تمنح الفكر مكانته، والتأمل قيمته، والعلم وقته. وكل نهضة عظيمة بدأت بفكرة، وكل فكرة عظيمة وُلدت في عقل هادئ، لا في ذهن مشتت.
فلنجعل لأنفسنا وقتًا نبتعد فيه عن صخب الحياة، لا هروبًا منها، بل استعدادًا للعودة إليها بصورة أفضل. فالصمت ليس ضعفًا، بل قوة، وليس انقطاعًا عن الحياة، بل عودة إليها بوعي أعمق. وإن الإنسان الذي يصادق الصمت، لا يخاف من الحقيقة، ولا يهرب من نفسه، لأنه يدرك أن أعظم رحلة في الحياة ليست السفر إلى الأماكن البعيدة، وإنما السفر إلى أعماق النفس، حيث تبدأ الحكمة، ويولد التغيير، ويستعيد الإنسان إنسانيته.
وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.